إن تجربة الميليشيا في حركة فتح هي
التعبير الأساسي عن الخط العسكري المنبثق عن خط الجماهير . إن خط الجماهير بالنسبة
لفتح هو استمرار تطبيق خطها السياسي باعتبار أن الكفاح المسلح هو شكل من أشكال
السياسة. عندما نقول ان خطنا هو خط الجماهير وأن حربنا هي حرب الشعب، نعني ان الشعب
كل الشعب عليه أن يشارك في القتال ضد القوى التي تقف دونه ودون تحقيق أهدافه. نقول
أن كل الشعب يجب أن يقاتل حيث هنالك أشكالاً كثيرة للقتال أهمها في مرحلة الثورة
وتصعيدها هي استخدام البندقية أو أي سلاح يؤدي إلى إضعاف العدو مادياً ومعنوياً،
مما يؤدي إلى انهيار مؤسساته اقتصادياً وعسكرياً وبالتالي يجعل الثورة الفلسطينية
قادرة على تحقيق أهدافها.
إن التسليح هو الشكل الأساسي الذي فيه يعبر عن تصعيد
الخط الأساسي إلى درجة العنف الثوري ضد القوى المضادة للثورة.
لهذا عندما ابتدأت
حركة فتح باستخدام السلاح استخدمته ضمن المجموعات الأولى التي قامت بعمليات ضرب
مؤسسات العدو، حيث كانت في البداية نوع من الدعاية المسلحة للخط السياسي الذي طرحته
فتح. وانطلاقة الثورة 1/1/1965 لم تكن انتفاضة وإنما كانت انطلاقة حيث أن الفرق بين
الانتفاضة والانطلاقة هو أن الانطلاقة هي بداية خطوات أولى على الطريق، بينما
الانتفاضة عملية تحضير شامل للوصول للهدف بسرعة، مفهوم الانطلاقة هو أنه خطوة مهمة
على طريق حرب طويلة الأمد، ولذلك فهو يبتدئ بخطوة واحدة وآلاف الأميال (كما قال
الرئيس ماو) تبتدئ بخطوة واحدة، يجب أن تكون هذه الخطوة صحيحة ولذلك كانت خطوة قوات
العاصفة التي انطلقت في 1/1/1965 خطوة صحيحة، والبيان الأول الذي صدر عن قوات
العاصفة وليس عن فتح، كان بياناً سليماً، كان هو عمل تجريبي حيث أن المرحلة تقتضي
أن تنطلق فتح. وبعد النقاشات الطويلة وجدت الثورة الفلسطينية أن الانطلاقة يجب أن
تأخذ الشكل الدعائي المسلح والتجريبي حتى لا تُضرب فتح التي كان عمرها في الساحة
العربية ثماني سنوات. حيث إذا فشلت هذه المحاولات الأولى فلا تفشل فتح معها وبالفعل
صدر البيان الأول، الثاني،الثالث والرابع باسم قوات العاصفة - وصدرت يومها الهجمات
من عملاء حلف السنتو، وكانوا يهاجمون العاصفة،ويقولون من هؤلاء ؟؟ التساؤلات كثيرة
وبعد البيان السادس عشر التحم اسم العاصفة باسم فتح، بمعنى أن فتح تقول أن هذا
العمل أصبحت جذوره قوية، ونحن اخترنا الوقت المناسب للانطلاقة، وهذا شيء طبيعي -
تمليه استراتيجية العمل الثوري، حيث يجب أن توضع الاحتمالات حول ضربات قوية تمنع
استمرار العمل، حيث إذا أُخذت هذه الاحتمالات - احتمال الفشل - بعين الاعتبار، فلا
نصاب بخيبة الأمل ولا يصاب الكثيرين بخيبة أمل، وبالتالي لا يسقط اسم فتح، الذي كان
له وزن سياسي في المنطقة. لذلك كان العمل سليماً وبالتالي كان تبني حركة فتح لهذا
العمل علناً باعتبار أن الجزء الأول التجريبي من هذا العمل كان تجربة ناجحة وأصبحت
هذه البيانات تصدر باسم حركة التحرير الوطني الفلسطيني لقوات العاصفة. بعد ذلك كانت
القوى التي تشارك معنا (أساسا قوى من قوى فلسطينية عربية) تعمل بمفهوم حرب العصابات
وضرب المواقع، لم يكن هنالك بمفهوم الميليشيا إلا بعض المهام التي يقوم بها أبناء
التنظيم. عندما نقول "ميليشيا السؤال ماذا تعني؟ هنالك مفهوم كلاسيكي " لكلمة
ميليشيا عند الكثير من الذين يتحدثون حول هذا الموضوع وهو "أنهم الجنود الغير
محترفين أي القوات التي تقوم بعملية الدفاع الذاتي ولكنها تقوم بعملها الخاص أثناء
التزامات "اذاً القتال بالنسبة لنا هو قضية تأتي بعد أعمال أخرى. ولذلك هم يختلفوا
عن القوات المتفرعة للعمل المسلح. كل حركة تقود كفاحاً مسلحاً، تمتلك قوى مسلحة غير
متفرغة وقوى مسلحة مفرغة للعمل المسلح. وهاتات القوتان هما من الشعب، ولكن أغلبية
القوتين عدديا هي القوى الغير متفرغة، لأن الحركة لا تستطيع أن تفرغ النسبة الكبرى
من الشعب. لذلك ماديا فإن القوى الغير مفرغة التي نسميها الميليشيا هي قوى أساسية
لها دور محدد يجب أن يكون ضمن الخطة العامة التي تعدها القوات المسلحة بشكل
عام.
إن حديثنا اليوم عن تجربة الميليشيا وتجربة فتح في الميليشيا والتي بدأت
بنشوء متفرغين يقاتلون، لترفع حدة الإيمان بخط حرب الشعب لدى الجماهير حيث تبدأ
بالانتماء للتنظيم. إن المدخل الأول إذن هو السلاح الفكري الذي يجعل من حمل
البندقية هو التعبير الحقيقي لهذا السلاح، ولذلك كان حمل البنادق من قبل القوى
الغير متفرغة في معظم الحالات (وخصوصاً في بداية انطلاقة الحركة) ينتج عن ايمانهم
بهذه الثورة، أي أن الميليشيا كانت وهي تشكل في البداية جزء من التنظيم أن إمكانية
الحركة الثورية لتسليح العدد الأكبر من الجماهير وأبناء التنظيم في البداية تكون
ضعيفة عادة، ولكن عندما يتطور القتال وتتطور أساليبه يمكن استنباط وسائل كثيرة
لتجهيز الميليشيا باستخدام الوسائل البدائية في القتال لضرب القوى المعادية. بعد
ذلك بدأ نمو التنظيم المسلح مع نمو القوات المسلحة، في تصعيد العمليات في داخل
الأرض المحتلة، حتى جاء عام 1967.
عندما نتحدث عن الميليشيا قبل 1967 نقول أنها
اقتصرت على بعض أشخاص وبعض القوى سواء في لبنان أو الضفة الغربية، كانت مهمتهم
إخفاء الفدائيين وإخفاء سلاحهم، ومساعدتهم في بعض قضايا السلاح. لم تكن عملية دفاع
ذاتي بقدر ما أنها اقتصرت على بعض أبناء التنظيم الغير متفرغين الذين ساهموا بتخزين
السلاح وتمويهه أو عمل أماكن وقواعد آمنة وقواعد ارتكاز للمقاتلين الفدائيين.
العملية استمرت بهذا الشكل حتى 1967 حيث ثبت أن عملية التصدي للعدو الصهيوني عبر
القوى النظامية الكبيرة، مهما كانت كبيرة ومسلحة بأسلحة متطورة (مهما كانت متطورة)
غير ممكن، وسقطت مقولة الحرب النظامية وتأكدت مقولة حرب الشعب، بعد هزيمة 1967 تركت
الجيوش العربية التي انهارت الكثير من أسلحتها في العراء، وهربت، حيث انقضّت
الجماهير الفلسطينية والعربية، على هذا السلاح، حيث انتشر السلاح وبدأ يباع بثمن
بخس، هذا السلاح الذي كان محظوراً على الجماهير ومحرماً على أبناء التنظيم. إن
إمكانية حركتنا آنذاك لم تكن بالمستوى الذي يؤهلها لشراء كل السلاح. لذا أخذنا نرسل
دوريات لاحضار هذه الأسلحة من المستودعات المتروكة في سيناء والضفة الغربية، حيث
أصبح بامكاننا تسليح عدد كبير وأصبحت الدوريات المسلحة التي تقوم بها الحركة (في
سوريا) ومواقع أخرى تستقطب الآلاف من الفلسطينيين الغير متفرغين للثورة والذين
يؤمنون بهذا الخط والذين استعدوا لحمل البنادق ليقاتلوا في قراهم الفلسطينية
المحتلة بدون تفرغ. بعدها أخذت الحركة تسلح الناس الذين بدأوا ينتسبون إليها وأصبحت
الميليشيا (بمفهوم الأعضاء الغير متفرغين داخل الأرض المحتلة وخارجها والذين يحملون
السلاح من أجل تكريس الخط) أصبحت هي والتنظيم جزء منه. حيث كان جزء آخر في الواقع
غير قادر على حمل السلاح (في بيروت ودمشق وفي الأردن)، ولكن المهم أن التنظيم داخل
الأرض المحتلة، هو الذي استجاب معه النهضة أو الانتفاضة الفكرية التي آمن بها
أبنائنا في الضفة الغربية، وجاءوا إلى معسكرات التدريب وأخذوا يعممونها داخل الأرض
المحتلة، وأصبحنا نزودهم فيما بعد بالسلاح. وأصبحت الميليشيا تشكل جزء من التنظيم
المسلح داخل الأرض المحتلة، ثم أخذ التطور يزداد وهذه (العملية عملية إدخال أسلحة
إلى الأرض المحتلة) اقتضت أن يكون لنا محطات مليشيا غير متفرغة من الشام إلى غور
نهر الأردن والكرامة والكريمة وابتدأت تلك الخطوة بتنظيم أو تشغيل الفلسطينيين وبعض
الأردنيين الموجودين في الكرامة والكريمة المحاذيتين لنهر الأردن والتي كانت تشكل
نقاط التقاء، نقاط بداية للدخول إلى الأرض المحتلة.
لقد كثرت هذه القواعد لوجود
الهجرة الفلسطينية الثانية والتي أعطت كثافة فلسطينية سكانية في المناطق، حيث أصبح
هناك مخيمات جديدة، وأصبح عدد مخيم الكرامة مثلاً مائة وأربعون ألف نسمة، وبالتالي
أصبحت هناك غابة بشرية فلسطينية بإمكان الثورة أن تجد فيها كثير من المواصفات التي
تخدم حرب الشعب وحرب العصابات. لذلك كانت بداية طيبة كرس فيها تلاحم بين الجماهير
الفلسطينية على الضفاف الشرقية لنهر الأردن وبين الحركة الفدائية، وانشأت أول مكاتب
علنية لفتح داخل الكرامة. وهذا التلاحم الذي يشكل نقطة الارتكاز لانطلاق دخول
الفدائيين للارض المحتلة كانت نتيجة ان يدحل الجيش الاردني والذي طلب ان يسيطر على
الكرامة لكي يمنع العمليات العسكرية التي اصبحت تضر بمواقعه وتخاذله، وكان ذلك في
18/1/68 عندما دخل محمد رسول الكيلاني (وكانت تحاول الاليات دخول معسكر الكرامة)
وتحدث مع الاخ/ابو محمد الذي كان موجودا هناك (هو اليوم اسير في الارض المحتلة)
كذلك الاخ وليام نصار حيث قال له
"لن نخرج من الغابة الجماهيرية" انذاك لاول مرة
ظهرت الجماهير ومعها البنادق وان هذا اول تحرك ميليشي في تاريخ حركة فتح للدفاع عن
الثورة. لقد كان مقابل كل دبابة اردنية متحركة ثلاث بـ7، اضطرت الدبابات الاردنية
للتراجع، ليس ولعدم قدرتهم في ان يقتحموا الكرامة، بل للحالة المعنوية التي كان
يعيشها الجيش الاردني، المهزوم، والذي سلم الضفة الغربية والذي ترك اسلحته خلفه
وهرب جنوده بثياب النساء معذرة من الاخوات.
بدأ النظام يعيش حالة التوتر حيث زاد
المد الجماهيري، اثر استشهاد الاخ/عبد الفتاح حمود "عضو لجنة مركزية لحركة فتح الذي
عملت له جنازة علنية دخلت فيها فتح "الىعمان وظهرت الجماهير المسلحة للمرة الثانية
في جنازة الشهيد عبد الفتاح حمود. كان هذا بمثابة بداية اقتحام حركة فتح عمليا
والطوق السري الذي كان محظوراً عليها ان تدخل فيه عمان، كان الاخ ابو عمار يدخل
الكرامة في سيارة جيش عراقي او طبون سيارة متخفيا اصبح يقود مظاهرة في جنازة الشهيد
عبد الفتاح حمود وعلى قبره تطلق الرصاصات تحية للشهيد. حصل هذا قبل معركة الكرامة.
وما فشل الجيش الاردني في تحقيقه بسبب معنوياته المنهارة حاول الجيش الاسرائيلي
تحقيقه نتيجة التنسيق المترابط بين الجيش الاردني الذي كان يسعى الى ضرب الثورة
الفلسطينية انذاك والعدو الصهيوني الذي قال على لسان"ديان" ان البيضة في يدي وكان
يعني في ذلك ان الاصابع والكف هو النظام الاردني، يريد ان يحطمها متى يشاء وكان
التحضير لمعركة الكرامة. لقد بدؤا بقصف المخيمات لمدة طويلة وذلك كخطوة تمهيدية
للمعركة حيث نشأ عن ذلك القصف هجرة المخيمات، وفتح مخيمات جديدة بدلا عن المخيمات
التي كانت على ضفة النهر، فتكرس مخيم البقعة وشنلر وغزة ومواقع اخرى. لذلك انتشرت
المخيمات الفلسطينية بعيدا عن خط التماس عن المناطق المحتلة. الذي حصل بعد ذلك ان
الذين بقوا في الكرامة هم عمليا القوات الفدائية بعض العائلات المرتبطة ارتباطا
اوثق بالقضية وبعض الميليشيا التي لم تذهب للمخيمات، فبقيت الى جانب المقاتلين
المسلحين غير مفرغين اقل عددا بقليل من عدد المقاتلين الذين تواجدوا ليلة معركة
الكرامة.
وبعد ان خاضت قواتنا معركة الكرامة الباسلة، حصل المد الجماهيري القوى
الذي استطاعت فيه الثورة الفلسطينية اثر تدخل "عمان" بطريقة اقوى، اصلب بنتيجة المد
الجماهيري على مستوى الساحة العربية والفلسطينية التي حصلت عليه على اثر معركة
الكرامة، زاد انتشار السلاح، وبدأ عضو التنظيم يشتري السلاح الذي اصبح يباع علنا.
وبسعر رخيص حيث اصبحت ظاهرة التسليح الشخصي لابناء التنظيم. منتشرة وبشكل علني. بعد
معركة الكرامة حصلت تطورات اخرى على صعيد السلاح التنظيمي، حيث حصلت قصة طاهر ذبلان
بتاريخ 4/11/68م تدلل على النظام الاردني (الذي فشل ان يدخل الكرامة ويضرب الثورة
الفلسطينية واستنجد بالعدو الصهيوني وفشل) لجأ الى ضرب الثورة الفلسطينية من
داخلها، وبدأ تمهيدا طبقا لذلك برفع شعارات على غرار كلنا فدائيين.
"والجيش
الاردني سند للمقاومة الخ في نفس الوقت يعمل على تسليح منظمات تاخذ واجهة فلسطينية
مثل "طلائع الفداء القومي" التي عملها وصفي التل وكتائب النصر التي انشأتها
المخابرات الاردنية من خلال "طاهر ذبلان" وشخص اسمه عبد الكريم العمر واستمرت هذه
العملية، عملية محاولة خلق قوى غير مؤمنة بالثورة الفلسطينية، ولكنها ترتدي لباسها،
مسلحين باسم الثورة الفلسطينية ولكن بالمحصلة الخيوط التي تربطهم خيوط مرتبطة
بالنظام الاردني ومخابراته، واصبح التحرك الذي نتج عن محاولة اعتقال المنظمة التي
كانت طاهر ذبلان فيها وضرب المنطقة المتواجدة فيها وبالتالي العمل على محاصرة منطقة
الوحدات التي كانت عمليا تشكل القاعدة الارتكازية الاولى للميليشيا في عمان. قبل
تاريخ 4/11/1968م كان لدينا في اقليم الاردن خطة لتسليح المخيمات خاصة بعد محاولة
النظام الاردني دخول الكرامة واصبحت المخيمات بعد معركة الكرامة تعج بالفدائيين
مواجهة لخطة النظام الاردني التي كانت تأخذ وجه التقرب والتزلف للثورة من جهة
وواجهة التحضير للتآمر ودخول المخيمات من جهة اخرى اذا بدأنا بمشروع الى جانب
التسلح الشخصي هو التسلح الجماعي الذي تقتطع فيه اجزاء من رواتب، اشتراكات اعضاء
التنظيم (كان تنظيمنا يومها يدفع اشتراكات لشراء السلاح) اتفقنا مع الحركة يومها ان
ندفع 50% من ثمن السلاح وتدفع هي المتبقي (اي عندما يكون معنا 10 آلاف دينار نشتري
بـ20 الف دينار اي ان الحركة تضع عشرة الآف دينار على العشرة الآف دينار التي تكون
معنا) وهكذا كانت اول صفقة اشترينا بها السلاح ووزعنا حوالي خمسة عشر قطعة سلاح ثم
اشترينا 67 قطعة سلاح كانت حتى يوم 14/11/1968م في مركز التموين في الوحدات. على
اثر تطويق الوحدات قررنا ان توزع البنادق بسرعة، وكانت هذه اول دفعة كبيرة توزع على
اساس التسليح الجماعي، حيث سلمت لابناء التنظيم على اساس مراتب تنظيمية واستعدادات
للقتال، وكانت بداية تشكيل الميليشيا المقاتلة. لقد كان لتوزيع هذه القطع القليلة
مردودا كبيرا جدا على نفسية الجماهير. يومها يعرف كيف وزعت الـ67 قطعة وكانت
الدعاية ان فتح فتحت مستودعاتها لتوزيع الآف القطع لتوزع للجماهير التي ارتفعت
معنوياتها مما ادى الى صد الهجمات المعادية.
حقيقة لم تكن المعارك والهجمات حادة
بالمعنى الصحيح والاصح ان نفسية الجندي الاردني كانت منهارة ولم يكن مقتنعا بضرب
هذه التجمعات بل اكثر من ذلك كان جرحه طرباً بعد هزيمة 67 وبعدها تدخل الجيش
العراقي وتدخل حسن النقيب وانتهت القصة على ان تنسحب القوات، ووضعت نقاط بصيغة
العلاقات التي يجب ان تحدد بين الوجود المسلح وكان يومها اول اعتراف بشرعية
الميليشيا المسلحة. هذه الشرعية التي انتزعتها البنادق الجماهيرية وصلت قمة العمل
العلني للثورة المسلحة.
في عام 1967م كانت درجة العلانية للثورة 10% حيث بدأت
ترتفع في عامي 67-68م حتى وصلت الى درجة عالية من العلنية كانت قنتها في 4/11/1968م
اي قبل عام 1969م عمليا وصلت قمة العلنية وليس قمة الكمية بمعنى السلاح عام 1968م
وبعد محاولة النظام الاردني الدخول للمخيمات حصل نوع من ارتداد قواتنا النظامية
للخلف. اي تكون في المخيمات وفي المدن وتحديدا في العاصمة عمان، كما زاد عمل وعدد
الاجهزة والمؤسسات، وزاد تسليحها دون المرور في قنوات التنظيم. مما ولد خللا في
الحركة نتج عنه عدم وجود قيادة واحدة للميليشيا يومها واصبح عندنا مجموعات "امن"
(ايامها كان اسمه الرصد) ومجموعات كانت تحركها بعض القطاعات العسكرية. كل قطاع
عسكري ينشأ له تنظيم ويعمل مليشياته ،يسلح، ينظم،ويدرب، اصبحت تشرذمات كثيرة، ولذلك
لم تكن قيادة الميليشيا موحدة الا بما يمثل الاقليم والتنظيم. ويومها تشكلت وحدات
للميليشيا بشكل رئيسي حيث كانت بداية زيادة التسليح والتعبئة والتنظيم ونتج عن ذلك
انه اصبح لدى قوات فتح قوات منتشرة من الميليشيا مرتبطة بالتنظيم ومنتشرة في كافة
المناطق الاردنية ومكثفة في المخيمات تستطيع القول ان مرحلة ما بين عامي 1969-1970
هي مرحلة "الزخم الثوري" التي استطاعت فيها الثورة الفلسطينية ان تخرج من ازمة 4/11
وان تفرض في الواقع وجودها المسلح العلني في الاردن وان تستقطب الجماهير الاردنية
بشكل كثيف جدا وان كانت غلطتها الاساسية انها اصبحت هي البديل عن الحركة الوطنية
الاردنية هذه الغلطة التي لم ترتكب في لبنان فيما بعد. ان الثورة الفلسطينية
بتصعيدها للعمل المسلح داخل الارض المحتلة وقيامها بعمليات عمق كثيرة وبداية قيامها
بعمليات كبرى، عمليات الحرب المتحركة اي الانتقال من حرب العصابات للحرب المتحركة
مثل "عملية الحزام الاخضر" و"حراب فتح" و"عز الدين القسام" كل هذه العمليات التي
يشارك فيها المئات من المقاتلين وليس العشرات حيث تقسم الى عدة مجموعات:
أ-
مجموعات للحماية، ومجموعات للامداد، والتموين، ومجموعات الاسناد،.. أي أن الثورة
والعمل العسكري بدأ يتطلب أعداداً كثيرة من الأفراد، مما سارع في عملية تدريب
الميليشيا على أساس مكثف، حيث بدأت تشكيلات الميليشيا المساهمة، في هذه العمليات،
وفي حدود وصل العدد إلى مائة فرد لعملية واحدة يتواجدون قرب النهر - نهر الأردن -،
حيث يشارك جزء منهم في الحماية والاسناد، والبعض يشارك في عملية الهجوم والاقتحام،
حتى أن قسما منهم تألف مع المقاتلين، وقال "وداعاً أيها الميليشيا" وقرر البقاء في
الأغوار، مُقاتل.
إن هذا هو الدور الأساسي للميليشيا، حيث تشكل الرافد الأساسي
الذي لا ينضب لتزويد القوات المسلحة الفدائية أي القوات المتفرغة تماماً للقتال،
بالأفراد،
خلال هذه المرحلة تطور عمل الميليشيا بشكل أساسي حيث أصبحت واعتبرت
قوات الميليشيا جزء من قواتنا المسلحة، قوات العاصفة، حسب اللوائح، لقد توحدت هذه
القوات بشكل مركزي ضمن النظام الداخلي، ونظام القوات المسلحة، وأصبحت قوات
الميليشيا جزء من قوات العاصفة بمعنى أن لها ارتباطاً أساسياً في العمليات، تدخل
ضمن الخطة العسكرية، ليس فقط مهمات دفاعية وإنما مهمات هجومية أخرى.
حصل هذا
التطور حتى جاء عام 1970، عام الصدام الكبير حيث سبقه اتفاق النقاط الاثني عشر،
التي وضعها النظام الأردني لتقييد العمل الفدائي. اثر أحداث 10/2/70 أيضاً هنا لا
نريد أن ننسى انتفاضة تشرين 1969 في لبنان، حيث أصبح الوضع فيها قريب من الوضع في
الأردن، إن المعارك مع الجيش اللبناني، في العرقوب، "مجل سليم" كانت بلا شك محدودة،
هذه المعارك التي تنتج عنها اتفاقية القاهرة، التي شكلت بل أكدت شرعية وجود البنادق
لدى شعبنا الفلسطيني في المخيمات، وحقه في القتال عبر الحدود، إذن، لقد أصبحت
الحالة في لبنان آنذاك متوازية إلى حد ما والحالة في الأردن.
في فترة أحداث
10/3، و 7/6/1970، ظهرت شعارات اخواننا المزايدين علينا مثل "السلطة كل السلطة
للجماهير" و "لا سلطة فوق سلطة المقاومة" هؤلاء ادعياء الماركسية. أصبحت عملية
الصدام مع النظام الأردني حتمية نحن نريد الهروب منها ولكن لم نعرف كيف ولكنها
اصبحت شيئاً حتمياً، أصبح علينا ان نحمي الثورة الفلسطينية فتم إحضار جزء من قواتنا
المسلحة الموجودة في القطاعات العسكرية إلى عمان وهذا له دور اساسي في المعركة
الكبرى التي حدثت في ايلول وتاريخ 17 أيلول كان قمة علنية للبندقية وشرعيتها، حيث
تصادمت هذه الشرعية مع الجهة التي أعطتها الشرعية (أي النظام الأردني) لكن عندما
تصبح هذه البندقية قوية وتصادم (تصبح شرعيتها تدين شرعية الند الآخر) فإنها تشكل
درجات العلنية الشرعية، هذه البندقية الجماهيرية لقد أصبح هنالك توازن مباشر بين خط
الجماهير وخط الأنظمة، الأول مؤمن بخط الشعب والكفاح المسلح عبر حرب الشعب طويلة
الأمد، والآخر يريد الأسلحة أن تكون في أيدي القوات النظامية المنضبطة، فوصل
التصادم ذروته في 17 أيلول لم يكن التصادم فقط بين فتح (أو الثورة الفلسطينية)
والجيش الأردني، كلا بل بين فتح وبين كل الذين يمثلوا هذا الخط في المنطقة العربية،
الجيش الأردني ومن يدعمه من اللذين لا يريدون الثورة الفلسطينية أن تكون ثورة
جماهيرية مسلحة - طبعاً نتائج المعركة نتحدث عنها من زاوية دور الميليشيا. هنالك
ثلاث نقاط أو مواقع عسكرية: 1)_ مواقع كان فيها ميليشيا فقط، 2)_ مواقع عسكرية كان
فيها ميليشيا + قوات فدائية، 3)_ قوات فدائية فقط. الملاحظ من سير المعارك في أيلول
الأردن (ويمكن أن يكون كذلك في لبنان) أن المواقع التي كان يتواجد فيها ميليشيا فقط
لم تكن قادرة على الصمود بالدرجة التي كانت تصمد فيها المواقع المتواجد فيها قوات
ميليشيا + قوات فدائية. لأن الميليشيا تعني الجماهير المسلحة هنا تكون الثقة بالنفس
أي في حالة الميليشيا أقل والدفاع عندها يعتمد على بطولات فردية لا توجد لديها روح
القطعة أي روح المجموعة التي تستطيع أن تقاتل مع بعضها البعض، وكما أن وجود ميليشيا
مع قوات فدائية يشكل أقوى المواقع كذلك وجود قوات فدائية في مواقع ليس فيها ميليشيا
يكون أضعف. أفضل وضع وجود الفدائيين في موقع واحد، وعليه فالميليشيا لوحدها تستطيع
أن تقاتل دفاعياً، ولكنها (في ظروفنا) لا في ظروف حرب الشعب تستطيع أن تحقق
الانتصار إذا لم تكن مطعمة بقوات مسلحة محترفة القتال. هذا ما حصل في الأردن وفي
لبنان فيما بعد، وهذا الترابط بين القوات هو قانون مهم من قوانين حرب الشعب الطويلة
الأمد.
السؤال المهم الآن، كيف نبني قوات الميليشيا؟ إن هذا ما نحن بصدده اليوم
في لبنان.
في عما "كان عندنا في المواقع قائد ميليشيا لكل موقع مهم، هنا القائد
يكون مدرساً أو يعمل أستاذ وقد يعطي دروساً خصوصية (لا أحد يعرف)، نحن اكتشفنا خطأ
ذلك. يجب أن تكون هناك قيادات متفرغة في حدود معينة، عندما يكون العمل، التنظيمي،
عملاً مسلحاً ليس كل الميليشيا مفرغة بالطبع (لأنها تكون أساساً غير متفرغة) ولكن
على مستوى الكتيبة بمعنى الشعبة أو المنطقة في الميليشيا. يجب ان يكون واحداً
مفرغاً على الأقل مثلا إقليم فيه خمس شعب يجب أن يكون عندنا عشرين أو ثلاثين كادر
عسكري، قائدهم يكون ليس على مستوى قيادة كتيبة، بل فرقة، هذا القائد الذي لا بد وأن
يكون نابعاً من التنظيم وهو أكثر الناس حرصاً على التنظيم، وهذه إحدى المخاطر في
الحركة أي الانفصامية بين العسكرتاريا والتنظيم في الوقت الذي يجب أن يكونا ضمن
الخط الواحد، وهذا الانفصام هو جزء أساسي من الخلل الاستراتيجي الذي نتج عن عدم
التفهم لتنظيم لحركة فتح. أعتقد أن من المفروض أن يكون أعضاء قوات العاصفة كل قوات
العاصفة هم (أعضاء في التنظيم فكل من يتفرغ في قوات العاصفة يصبح فتح بلحظة تفرغه،
بهذا عندما تكبر قوات العاصفة تصبح جيشاً شعبياً ثورياً، وكل من فيها فتح حيث أن
فتح ليست حركة محددة فهناك في فتح ملامح لا تسير على مبدأ المركزية الديمقراطية.
إن خط فتح السياسي المنبثق من الخط الجماهيري هو الذي يمثل الجماهير الفلسطينية
لأنه يدافع عن مصلحة الشعب الفلسطيني ولكن ليس كل أبناء الشعب الفلسطيني هم أعضاء
في حركة فتح، وإلا "اختلط الحابل بالنابل" ويصبح الحرامي أحسن من الحامي" وطالما أن
حركة فتح طليعية إذن كل أعضائها يجب ان يكونوا طلائع الشعب الفلسطيني والطلائع هم
من الذين يؤمنوا بحتمية النصر وعندهم استعداد كبير للتضحية، لن يكون الشعب كله هكذا
هيك، ولكن رأس الرمح طويل طويل والحديد في رأس الرمح، والرأس هو التنظيم والباقي
كلهم يأتون خلف التنظيم. هذه النظرية التي تقول أن فتح ليست كل الشعب، فتح طليعة
الشعب الفلسطيني إذن أعضائها يجب ان يكونوا طلائع هذا الشعب، هذه القضية تجعلنا نقف
عند تحديد مفهوم الميليشيا، قيادة فإن قيادة الميليشيا، والخط الذي يحكمها هو خط
الثورة خط المبادئ الاساسية، والنظام الداخلي، الميليشيا من الممكن أن تضم الآلاف
من خارج التنظيم ولكن القوات لا تتحمل أن تضم أناس من خارج التنظيم لذلك يجب أن
يكون الحرص على إدخال الناس في القوات عبر التنظيم لكي تبقى الحركة متماسكة.
بعد
مرحلة العلنية، وبعد 17 أيلول جاءت اتفاقية القاهرة بتاريخ 28 أيلول حيث جاء الباهي
الأدغم ليحكم الأردن (طبعاً المقصود ليس الشكل الدستوري للحكم) عدة أشهر، حيث أصبحت
شرعية المقاومة (والبنادق العلنية تعبير عن الشرعية)، شرعية البنادق في المخيمات
مثل شرعية الجيش الأردني. ولكن بعدها حصلت مناورات أردنية على المواقع الفدائية من
ثغرة عصفور حتى (الرصيفة) حتى "السلط" حيث وصلت الثورة الفلسطينية بعد هذه المعارك
الهامة، إلى مأزق استراتيجي وخطأ استراتيجي رهيب "يعتبر من أكبر الاخطاء التي
ارتكبت في الثورات العالمية وهو تسليم أسلحة الميليشيا تحت تأثير وشعارات مثل الناس
مسلحين، كلهم بحالة فوضى يجب أن نضبط الوضع ونجمع الأسلحة ونضعها في أماكن محدودة
ويكون عليها حراسات". ووقت الاستنفارات نذهب إلى المستودعات لكي نتسلح، حيث
المستودعات بحراسة الجيش الأردني ومسيطر عليها سيطرة تامة، وفي حال الهجوم نذهب إلى
هذا الجيش ونطلب منه سلاحنا لكي نحاربه.
إن تنظيم أسلحة الميليشيا هذا هو تزييف
لحملة أخرى هي سحب أسلحة الميليشيا حيث أصبح من المستحيل على عضو التنظيم في فتح أن
يحمل قطعة سلاح، كذلك ليس من حقه حفظ قطعة سلاح حتى في بيته بعد الموافقة على سحبه
أسلحة الميليشيا. أصبح العضو غير قادر على إخفاء السلاح، حتى أعضاء القيادة، (لقد
حصل معي شخصياً، أن جاء الجيش وداهم بيتي، فوجد قطعة سلاح، فأخذني من مركز عملي إلى
السجن، ووضعت في الزنزانة، وأنا عضو مجلس ثوري لحركة فتح، ولم يعد باستطاعة الحركة
حتى إخراجي من السجن وهناك أمثلة كثيرة على ذلك، فإذا لم تتمكن الحركة من إخراج عضو
المجلس الثوري، أو عضو لجنة الإقليم من السجن، فكيف الفرد العادي؟ بعد ذلك رمت
الجماهير بنادقها وقسم منها خبأها تحت الباطون حيث من الصعب العثور عليها وأيضاً من
الصعب جداً إخراجها للاستعمال.
إذن انتهت العلنية وأصبحت الشرعية مفقودة (وطرح
شعار) العودة إلى العمل السري في الأردن (والبركة في شؤون الأردن) وبعد هذا انتقلت
القوات الفدائية النظامية إلى الأحراش وحيدة ليؤكد الخط الذي قلناه قي القوات
النظامية بدون جماهير وميليشيا) كان عددها (ثلاثة آلاف) استسلمت في ثلاثة أيام،
وكان عندها قدرة سلاح وإمكانية أن تقاتل أضعاف قدرة "تل الزعتر". الجماهير في تل
الزعتر صمدت 54 يوماً من القتال وصمدت امام سبعين هجوماً. لم يكن تل الزعتر لوحده
ولم تكن الميليشيا فقط، كما قد أرسلنا مقاتلين إلى تل الزعتر "سلمان" القائد
العسكري كان مفروزا من القوات حتى يقود الميليشيا وكان هناك بعض المقاتلين في تل
الزعتر، ولكن الاهم من هذا هو السياج الناري الذي عملته قوات العاصفة، إن معركة تل
الزعتر كانت وكان هنالك تلاحم بين قوات العاصفة والميليشيا. وأيضاً الدور العظيم
الذي قامت به المدفعية الثقيلة. من هنا نلاحظ نتائج كم هو تلاحم الميليشيا مع
القوات، مثلا عندما حوصر الجيش المصري الثالث، اختلفت المسألة عن حصار تل الزعتر
حيث ان في التل قوات ميليشيا وجماهير تدعم صمودها، وتمدها بالدعم المادي والمعنوي
كذلك تجربة لبنان التي اختلفت تماماً عن تجربة الأردن.
في الدول العربية الأخرى
لا تستطيع التحدث عن تجربة الميليشيا، لأنها لا تسمح لنا بوجود ميليشيا أو معسكرات،
أو حتى حراسات مكاتب أصلاً ذلك لأنها لا تؤمن بتسليح الجماهير وبحرب الشعب من حيث
أن الوضع في لبنان أفضل من الأردن وبالتالي فإننا استفدنا من تجارب الأردن، للعمل
في لبنان، وتثبيت البنادق في أيدي الجماهير. حيث يكون للجماهير دوراً أساسياً في
المعركة (هذا مكتوب في كتاب اللواء طلاس حول حرب الشعب/ حرب العصابات وكيفية تحرير
فلسطين ولكن عندما أصبح قائدا للجيش تراجع عن ذلك لعله يعود إلى كتابة تجربتنا في
لبنان. ابتدأت بتجربة مأساوية لأنه لم يكن أحد يشعر بلبنان واهميته لوجود الساحة
الأردنية، بدأ بدور لبنان يأخذ وزنه المتقدم بعد سقوط الأحراش أي المعركة التي سقط
فيها آخر موقع للفدائيين في الأردن هو (موقع الأحراش) بعدها جئنا إلى لبنان، حيث
كان السلاح موجوداً، السلاح الذي خرج من الأردن والسلاح الموجود بسوريا، وبدأنا
بتشكيل قوات نظامية فدائية وقوات ميليشيا، والقوات النظامية ليس بمعنى قوات جيش
التحرير، كل هذه القوات كانت قوات العاصفة. هذه التشكيلات بالطبع موجودة في الصين،
كوريا، وعند كل الحركات التي خاضت الحروب الثورية، بعد اتهامنا من قبل بعض الاخوان
عند تشكيل القوات النظامية بالتجسس وغيره، ان القوات النظامية عندنا ليس منفصل خطها
عن خط الشعب، ميزتها انها قوات محترفة أكثر تدريباً وأقوى تسليحاً من قوات
الميليشيا، وبالتالي لديها كما قلنا روح القطعة والقدرة على الهجوم هذا الفرق بينها
وبين القوات الغير نظامية أو قوات الميليشيا، اننا نستطيع أن نأخذ من الميليشيا
خمسين أو مائة واحد لتنفيذ عملية هجوم هذا أصعب جداً ولكن إذا ذهبنا إلى أي قاعدة
من القوات الفدائية، نذهب مثلاً إلى آل حسن (الله يرحمه) ونقول له نريد خمسين
شاباً، يقول ثلاثين أفضل لأن الثلاثين واحد من قوات العاصفة الذين خاضوا عدة عمليات
ودوريات يعادلون كتيبة.
كان لجيش التحرير في الخارج في الحازمية في الشياح في
وقت من الأوقات كتيبة مكونة من أربعمائة فرد، لم تستطع أن تقدم بنفس دور الكتيبة
الثالثة (من قوات العاصفة) رغم انها أقل عدداً، ذلك لأن وزن الكتيبة الثالثة
المعنوي والقتالي اكبر بكثير بالرغم من أن عددها يعادل ربع كتيبة جيش التحرير. إذن
فمفهومنا نحن عن القوات النظامية مختلف عن النظرة التقليدية، حيث أن قواتنا
النظامية تكون عادة مدعمة بالميليشيا والجماهير المسلحة لأن دور الميليشيا الأساسي
هو أن تكون دائما رافداً من روافد القوات. بعد المؤتمر الثالث جئنا لبنان نخوض في
مشكلة هي مشكلة التنظيم الميليشيا في لبنان. حيث كادت أن تؤثر على الحركة لولا
تلافيها بسرعة تكريس الخط التنظيمي الموحد للتنظيم حيث وصلنا إلى إلغاء اسم كلمة
ميليشيا وأشرنا لها باسم التنظيم المسلح طبعاً هذا ليس هو البديل عملياً للميليشيا.
أردنا ان نعتبر أن المسلحين من خارج التنظيم يكونوا عادة تابعين للتنظيم، لا يصح
للمسؤول العسكري في المخيم أن يسلح أفراداً خارج التنظيم بل يجب أن يتم تسليحهم من
خلال التنظيم، من خلال التنظيم عضو الخلية أو الحلقة، لأن الوحدة التنظيمية هي
"التعبئة" حيث أنها الوحدة الأساسية في إقليم لبنان وهو أهم من أي إقليم آخر من
أقاليم خارج دول الطوق، أعطينا هذا الاهتمام ولذلك قلنا يجب إعادة الترتيب في إقليم
لبنان بحيث يكون للتنظيم الدور الأساسي أولا حيث يكون هنالك في كل شعبة امين سر
التنظيم ، وامين سر التنظيم يقوم بكل شيء في شعبته ونائبه المباشر هو المسؤول
العسكري ، مع هذين الاثنين مسؤول الامن ومسؤول الاعلام ومسؤول الشؤون الاجتماعية
الخ …
لكن الاصل هذين الاخوين المسؤول التنظيمي والمسؤول العسكري، بحيث يكونا
متكاملان تكاملا اساسيا وقويا واكتشفنا انه عندما يتفق المسؤول التنظيمي والمسؤول
العسكري في منطقة فان الامور تسير على ما يرام وفي المنطقة التي يختلف فيها الاثنين
تبرز قضية الميليشيا حيث يصدر احدهما اوامر تنظيمية والاّخر اوامر عسكرية . في احدى
المراحل اردنا ان نجعل الاثنين واحد وفي احدى المرات وضعنا مسؤول التنظيم كمسؤول
عسكري . ومره اخرى ركزنا قضية التدريب من اجل انعاش الميليشيا وزيادة فعاليتها ثم
عملنا دورات كوادر الا ان المشكله او الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبناه في الاردن ما
زال هنا ويشكل خطاً حيث بدأت الاجهزة بالتسلح ، بدون العودة للتنظيم وفتحت دكاكين
جديدة كان وجودها بحد ذاته تيئيس ابن التنظيم من التنظيم ، ابن التنظيم الذي يعمل
ليل نهار وهو غير متفرغ ، تقدم له هذه الدكاكين السلاح والتفريغ دون ان يعمل هذه هي
المشكله التي تقف عائقاً امام التنظيم ولذلك نقول ان التنظيم الموجود في لبنان هو
مجموعة الملائكه الذين صمدوا امام الاغراءات ولذلك في تقديري هم يشكلون النواة التي
من الممكن ان تعيد ترتيب اوضاع الحركة لانهم ظلوا متمسكين بالتنظيم والمبادىء
الاساسية وكانوا اكثر الناس استعدادا للتضحية ، واكثر ايمانا بحتمية النصر ، لم
يذهب اي منهم لتحصيل مصلحة شخصية وهذا شيء اساسي فتجربتنا العسكرية كما يشهد معظم
الاخوة العسكريين هي تكرس الخط الذي قلناه من ان هناك مناطق يوجد فيها قوات فقط
هنالك مناطق يوجد فيها ميليشيا فقط ومناطق يوجد فيها قوات وميليشيا.
ومن هنا
يكون الفرق بين معارك الاردن ومعارك لبنان، في الاردن لم نقم باي هجوم للميليشيا
ولا قوات ولا احد ولكن العمل الدفاعي كان يقوم بدور العمل الهجومي حيث استطعنا ان
نمنع القوات الاردنية من ان تحتل اي موقع اساسي طيلة السبعة عشر يوماً، لم يسيطروا
الا على بعض المناطق الغير رئيسية مثل جبل الحسين ولكن المواقع الاساسية لم يكن لهم
فيها حتى جندي واحد بل انهم خسروا مواقع لهم، مساحتها اكثر من المواقع التي خسرناها
في لبنان لم يكن فيها سوى مهاجمين لم يكن دفاعيين. بعد حادثة عين الرمانة لم ننتظر
في(الشياح) بدأنا بعمليات الهجوم وضرب مواقع في عين الرمانة، القوات التي تقوم بدور
بدأت، الميليشيا تقوم بدور اخر لها، كانت موجودة(وطورت خلال المعارك)، لقد شاركت
بفعالية ليس في عمليات الدفاع فحسب بل في عمليات الهجوم وليس في عمليات الهجوم
المحلية فحسب بل على مستوى اقليم. ان قوات الكتيبة الثانية التي احتلت عينطورة
وصنين لم تستطع احتلالها لولا قوات المليشيا التي جاءت من صور ومن صيدا ومن البقاع
والطلاب وشاركت مشاركة اساسية بالرغم من قلة الامكانيات ورغم نقص الملابس الشتوية،
لكنهم استطاعوا ان يصمدوا ويثبتوا دور في التلال وفي صنين بالرغم من انهم غير
محترفين "الشهداء الذين قدمتهم الميليشيا اضعاف الذين قدموا على مستوى الساحة
الفلسطينية كلها حتى اننا اكتشفنا من خلال عملية الميليشيا ومشاركتها بفاعلية اننا
نستطيع ان نستقطب الاجهزة التي ليس لها طموحات او مراكز قوى، بمعنى انه كان عندنا
الاعلام وكان صامد ومجموعة كوادر شكلنا منهم كتيبة احتياط ودربنا هذه الكتيبة
وخرجناها، واصبح عندنا ثلاثة سرايا وبالمحصلة قاتلوا بالشياح (واستشهد رشاد عبد
الحافظ واستشهد عدد من اخوانه) وكان يقود الكتيبة اعضاء على مستوى اعضاء اقليم،
اعضاء مكاتب حركية في الاعلام والعلاقات الخارجية شاركت مشاركة اساسية كان هذا
تشكيلاً مؤقتاً.
واعدنا تنظيم البناء في اقليم لبنان حتى يصبح مطابقاً لنظام
القوات حيث اصبح للقوات امتداداً تنظيمياً مشابهاً لها، اي ان كل خليتين مع
المسؤول(احد عشر فرداً) يشكلون مجموعة، وكل ثلاث مجموعات من هذا النوع مع
مسؤولهم(اربع وثلاثون فرداً) يشكلون فصيل، وثلاثة فصائل سرية، وثلاثة سرايا كتيبة،
مقابل المجموعة-الفصيل-السرية-الكتيبة-تكون حلقة منطقة، وبالرغم من أن العدد كان
كبيراً إلا أن هذا الشكل في لبنان يجعل المنطقة في إقليم لبنان توازي كتيبة،
والشعبة توازي سرية إلخ.
لقد تكرس ذلك، وأنزل ذلك في التعاميم التنظيمية من أجل
تكريسها حتى تولد داخل المليشيا روح القطعة روح العمل الجماعي، وبتقديرنا أن لهذا
التشكيل التأثير الجيد والفعال وكان تفاعل هذه القوات مع القوات الموجودة عندها
تفاعل سليم ومبدع في معظم الأحيان.
لكي نعيد ترتيب الوضع العسكري في لبنان كان
لا بد من إعادة ترتيب وضع الميليشيا. أيام السلم لجنة الإقليم هي التي تقود لبنان
لكن في الأحوال العادية كهذه التي تتواجد فيها الأجهزة، واللجنة المركزية، والأخ
أبو عمار، والقيادة العامة لقوات العاصفة، أننا لا نستطيع كإقليم أن نتحمل مسئولية
التجاوزات في ظل هذه الظروف، ولكن الإخوان تحملوا مسئولية وشاركنا نحن في المسئولية
(ورحم الله امرئ عرف قدر نفسه) هذه حقيقة موجودة في الإقليم يجب أن نطورها لتطوير
وضع الحركة.قلنا تقسيم إقليم لبنان إلى مناطق عسكرية بحيث أصبحت قوات الميليشيا
المتواجدة في المناطق هي عملية قوات بالإمرة للقيادات العسكرية عندنا التنظيم في
منطقة الشمال مثلاً: المسئول التنظيمي (يعني أمين السر) والمسئول العسكري ومسئول
العمل اللبناني ومسئول الأمن هؤلاء الأخوة الأربعة كانوا يشكلون نواة وحدة المنطقة
وهم الذين يستطيعون عمل كل شيء أيام القتال. لا بد من ربط التنظيم مع بعضه البعض أي
أن مسئول التنظيم يريد توحيد العمل اللبناني والعمل الجماهيري والعسكري والأمني
خوفاً من التدخلات التي تؤثر على العمل سلباً0 توصلنا إلى صيغة مع القيادة على أن
يكون هنالك لكل منطقة مسئولاً عسكرياً، مثلاً في الجنوب كان أبو موسى، في بيروت سعد
صايل في الشمال أبو هاجم .. الخ.
وقسمت بيروت إلى مناطق عسكرية، الغربية - أبو
داوود، الجنوبية - أبو الليل الرئيسية أبو حسن، وعين في كل منطقة مسئولاً عسكرياً
من قوات العاصفة إلى جانب هؤلاء الأخوة من التنظيم. أن العمل القتالي ليس فقط إطلاق
النار، ولكن الإمداد بالطلقة، بكوب الشاي الساخن تحضير الساندويش للمقاتل،هو مسألة
هامة جداً، وضرورية، حيث يستطيع التنظيم أن يقوم بذلك كله. البندقية ليست كل شيء.
وهذا ما ثبتته الأحداث. ولقد شكلت لجان على أساس التنسيق في بعض المناطق التي
تواجدت فيها وحدات نظامية على مستوى الكتيبة أو السرية، فيكون قائد هذه الوحدة
مشاركاً لأعمال قيادة هذه المنطقة. وأن التنسيق جيد، ونجحت التجربة وفي بعض المناطق
لم يكن جيد ولم تنجح التجربة ولكن المحصلة هي النجاح. ونستطيع أن نقول أنه بالرغم
من بعض المواقف الخاطئة، فإن مواقفنا كانت مشرفة، حيث استطاعت هذه المواقف أن تثبت
أن خط الثورة الفلسطينية خط الجماهير هو الأقوى، وهو الذي استطاع أن يصمد أمام تقلب
إمبريالي، دفع بخطوط كثيرة موجودة في المنطقة، حتى يقضي على خط الثورة الفلسطينية
المسلحة، التي سلحت الجماهير الفلسطينية واللبنانية، وكان ميلاد الحركة الوطنية
اللبنانية والحركة الشعبية اللبنانية والجماهير اللبنانية المسلحة التي ارتبط
الكثير من أبناءها بفتح، وكأعضاء بفتح حيث شكلوا قوة كبيرة جداً، أصبحت تقلق
الأعداء أكثر مما كانت تقلقهم فتح نفسها. أصبح امتداد فتح في الساحة العربية والخط
القومي الذي تحرص به الجماهير "احملوا السلاح من أجل قضية، فلسطين، طريق فلسطين
طريق الوحدة، يعني حمل البنادق من أجل تحرير فلسطين" هذا هو الخط القومي الذي طرحته
فتح وهو الخط الذي سينتصر.
العهد هو العهد ...
والقسم هو القسم ...
ان تستمر الثورة حتى النصر
الأعلي