9-الشرعيات الثلاث:
التحالف مع الزمن كان إستراتيجية جميع الأطراف
الإسرائيلي والأمريكي والفلسطيني، مع فارق أساسي الا وهو كون الزمن الفلسطيني زمن
متحرك وصاخب هدفه تامين ديمومة الاشتباك مع الإسرائيلي إلى أن يقتنع الغرب بأن
اسرائيل لم تعد حامية لمصالحه ولا هي نقطة أمان للتجمع اليهودي في أرض فلسطين
وصولاً إلى بناء قوات محليّة في الداخل تكون قادرة على توجيه ضربات فعالة ضد الجيش
الإسرائيلي بانتظار إعادة فتح ملف المنطقة من جديد ويصبح بالإمكان إقامة الدولة
الديمقراطية الفلسطينية آخذين بعين الاعتبار ان مصر وسوريا أصبحتا طرفاً في الحرب
لتحرير أراضيهما المحتلة سواء قناة السويس وسيناء والجولان مما سيضفي على المجابهة
صفة المجابهة الشاملة مما سيُقصّر فترة الحمل.
الشرط اللازم غير الكافي لتأمين
ديمومة المعركة واستمرارها لتحقيق حرب إجهاد واستنزاف للجيش الإسرائيلي يتطلب قيام
قواعد حدودية يمكن الدفاع عنها وهذا يتطلب توفير الشرعيات الثلاثة وهي:
1-الحصول على الاعتراف العربي بشرعية التواجد فوق الأراضي العربية وتحمل
النتائج المترتبة على ردة الفعل الإسرائيلي تجاه تلك الدول.
2-الحصول على
الشرعية الدولية تجاه النظام العالمي لإعطاء شرعية ما للتواجد فوق الأرض العربية.
3-الحصول على الشرعية الوطنية الثورية من قبل الشعب الفلسطيني وديمومة ممارستها
رغم تناقضها مع الشرعيتين العربية والدولية.
10-الاستقلاليــة:
مصر عندما يتواجد بها قائد حقيقي يفكر بشكل إستراتيجي وبالأجيال
المقبلة يصبح لدى العرب الدولة المحرك (القطب المحرك) لحركة الأحداث العربية ويصبح
لديها ولدى العرب إستراتيجية عربية شاملة وهذا ما فعله أمين الأمة العربية الرئيس
جمال عبد الناصر الذي تنامت ثوريته بشكل مذهل وهو جاثٍ على ركبتيه بعد حرب الأيام
الستة المذلة فقرر ألا يقر أو يعترف بأية نتائج سياسية للحرب قبل إعادة الوضع إلى
ما كان عليه قبل الخامس من حزيران 1967 فأعلن ان ما أخذ بالقوة لا يسترجع الا
بالقوة، فوجدت الشرعية الثورية للشعب الفلسطيني والمتمثلة آنذاك بحركة (فتح) ان عبد
الناصر يدعم استقلاليتها من خلال قوله (من حقي ان أقبل القرار 242 ومن حقكم ان
ترفضوه). فالعزف المنفرد ليس خياراً فلسطينياً بل حالة يمارسها الفلسطيني قسراً
عندما تفتقد الإستراتيجية العربية.
الاستقلالية في نظر (فتح) تعني كسر قيود
الوصاية التي تكبلنا سلباً والتي تريدنا ورقة بأيدي الأنظمة لحماية مصالحها القطرية
على حساب مصالحنا.
الوصاية عندما تكون إيجابية يسقط شعار الاستقلالية تلقائياً.
فالوصاية الناصرية أخذت ياسر عرفات إلى موسكو تمهيداً لحصول الشرعية الوطنية على
الشرعيّة التمثيلية الدولية ودعَّم قيام قواعد فدائية في غور الأردن وساهم في إقناع
الشهابيّة لتوقيع اتفاق القاهرة لإعطاء شرعيّة لبنانية للتواجد الفدائي في جنوب
لبنان، وعندما عرضوا عليه إعادة سيناء كاملة بدون حرب قال لهم القدس قبل سيناء
ولذلك مارسنا الاستقلالية تلقائياً في ملعبه الواسع الكبير وليس خارجه. وعندما
قدمنا مساعدة لوجستيه محدودة لرجال الضفادع الأبطال من البحرية المصرية الذين
ألحقوا ضربة رائعة بميناء ايلات وبناقلة الدبابات الرابضة فيه جير في البداية
العملية للفلسطينيين لتقوية رصيدهم.
2)-اللاجئ يتحول إلى مقاتل:
بإقامة القواعد الفدائية في الأردن انتقل الفدائي من مرحلة
المشردين الهائمين إلى مرحلة القواعد الارتكازية التي ذكرتني بالكاتب الألماني
الشهير توماس مان الذي كتب يقول: مشكلة واحدة في العالم اسمها ، كيف يمكن تجاوز
الحدود؟ كيف يمكن الدخول إلى الأفاق المفتوحة الممتدة؟ كيف يمكن تمزيق الشرنقة
والتحول إلى فراشة؟ والجواب ان يحقق الفرد درجة من درجات الوعي عن طريق هدف ثوري
كبير أي ان يصبح شخصاً حاملاً لرسالة. وهكذا أصبح الفتحويون الأوائل الذين توافدوا
إلى القواعد الارتكازية من كافة أنحاء العالم. كانوا عدة مئات ولكن كل واحد منهم
كان أمة، حاملاً لرسالة سامية وهي قبول التحدي بالتصدي لإسرائيل.
في الوقت الذي
كان دايان يُعلن بتبجح ان حركة (فتح) كالبيضة في يدي احتاج إلى شيء من الضغط عليها
فاسحقها، كان قائد القوات العراقية ورئيس الأركان الأردني يوجهون لنا النصح الضاغط.
فغداً سيأتي دايان بفرقة مدرعة ويسحقكم، غادروا غور الأردن فأنتم رجال عصابات
تتراجعون عندما يتقدم العدو. يومها جرى تعميد قائد للتو فقد قال لهم ياسر عرفات:
اني اعلم اني غداً سأطعم لحم جنودي لجنازير الدبابات الإسرائيلية لأعلن ان لا هروب
بعد اليوم أمام الإسرائيليين. واني إذ احيي مشهور حديثه قائد الفرقة الأولى على
دوره ولكني أريد ان أسأله رداً على شهادته بقناة الجزيرة، لو قبل ياسر عرفات سحب
جنوده من الأغوار هل كان سيكون يومها معركة؟، يومها 21/3/1968 خسرنا 93 شهيداً من
(فتح) التي كان لديها 422 مقاتلاً بالكرامة وأطرافها وتشاركنا بالمجد مع قوات
التحرير الشعبية البطلة الذين قدموا أيضاً الكثير من الشهداء وهزم الجيش الإسرائيلي
هزيمة نكراء وترك خلفه مجنزرات لم يتمكن من إخلائها وأعلن الرئيس عبد الناصر تحيته
لحركة (فتح) واعترافه بها وأعلن ان المقاومة الفلسطينية لهي أنبل ظاهرة في الأمة
العربية وامتلأت الأغوار بثلاثة آلاف من المتطوعين وعرف العالم ان هنالك شعباً
فلسطينياً مقاتلاً فتح صفحة جديدة في حياته عنوانها ان تتقدم وتموت أفضل من ان
تتوقف وتموت وهكذا انتقل كل الشعب الفلسطيني من حالة اللاجئ إلى حالة المقاتل والتي
قادت إلى حالة واسعة من الانتماء الجماعي مما عنى وقتها إعادة توليد الفلسطنة وأصبح
بالإمكان إعادة بناء وعيه السياسي الخاص والجماعي وبدء بكتابة فصل جديد في الذاكرة
الجماعية فالفرق كبير بين ان يكون الشعب الفلسطيني سماد الثورة وبين ان يكون صانعها
ودوت في الأغوار هتافات الفدائيين المجد للكلاشنكوف طريقنا لإقامة الدولة
الديمقراطية الفلسطينية على أرض فلسطين.
3)-التجربة المرة عام 1970 (إدراك العامل الدولي):
ان التاريخ سيسجل ان الثورة الفلسطينية، في
الأشهر القليلة التي سبقت أيلول، قد عاشت مرحلة شمشون الجبار، الذي انتهى لأن
أعداءه نجحوا في القضاء على مركز قوته، ومما لا شك فيه ان الدارس لتجربة ذلك العام
سوف يجد ان عوامل ذاتية هي التي مكنت القوى المضادة للثورة من إنجاح خطتها ومخططها.
صحيح انه لا يمكننا ولا نستطيع ان نسقط ببساطة ضخامة المؤامرة الخارجية، والتي شارك
في التخطيط لها هنرى كيسنجر، إلا أنه لا يمكن السيطرة في الممارسة المباشرة، على
ظاهرة لا نعرفها، نظرياً، معرفة صحيحة، أو بشكل أدق، نجد أنفسنا منذ البداية خارج
الحالة التي تسمح لنا بهذه المعرفة.
كان عام 1970، أول مواجهة مباشرة علنية على
مستوى الإستراتيجية الكبرى بين الإمبريالية وأدواتها إسرائيل والأنظمة الرجعية من
جهة، والثورة الفلسطينية من جهة أخرى. في شهر نيسان عام 1970 بلغت الثورة
الفلسطينية بالأردن قمة الصعود والقوة، فإذا القوى المضادة تبدأ بهجومها المضاد،
فتعرض مشروع روجرز الذي كان الهدف الرئيسي منه عزل المقاومة الفلسطينية عن حليفها
الرئيسي مصر الناصرية، ليجري بعد ذلك الاستفراد بالمقاومة وسحقها في الأردن. وفي
نفس الوقت يتقدم ضابط بدأ حياته السياسية ناصرياً، وانتهى شقياً يعرض على بعض القوى
الفلسطينية فكرة الإطاحة بالنظام عن طريق خلق فوضى بالعاصمة، ليدخل العاصمة بلوائه
المدرع الأربعين، فيحتل رئاسة الأركان بدل سحق الجماهير، وجرى مسلسل من الفوضى
العشوائي غير المفهوم الا ممن كان عندهم السر، فتم خطف طائرات وإحضارها إلى مطار
الثورة وأخذ رهائن أجانب، ولكن اللواء الأربعين لم يأت إلى العاصمة بل تصدى للقوات
الفدائية في اربد في الشمال مدعوماً من القوات العراقية.
صحيح ان الأحداث أثبتت
ان الأنظمة العربية لا تستطيع احتمال ظاهرة الشعب المسلح، لأن هنالك تناقضاً
موضوعياً، بين الشعوب المسلحة والأنظمة، اما لأنها مرتبطة باستراتيجيات خاطئة، واما
لان النضال المسلح يوصل الصراع لدرجة من الحدة أرقى وأعلى من درجة حسابات الأنظمة
وتوازناتها، فيلجأون الى ضربها بدلاً من التجاوب معها.
ولكن القوى الموضوعية
التي كانت متوفرة لم يجرى الاستفادة منها، مع انها كانت كافية جداً، للسيطرة على
أهم مفصل استراتيجي بالوطن العربي الأردن، الذي هو بوابة سوريا والعراق والسعودية
وفلسطين.
إلا ان الشيء المذهل هو اننا دخلنا معركة المواجهة مع الأردن بدون حليف
دولي، أي بدون التنسيق مع الدول الاشتراكية وخاصة مع الاتحاد السوفياتي. لقد
كانت أحداث أيلول أول درس عملي للثورة الفلسطينية عن معنى المعادلات الدولية ولعبة
الأمم، عن حقائق العصر.
ان إدراك الظرف الثوري الفلسطيني إدراك "الآن"
التاريخي، يستتبع فهم ما سلف من التاريخ الفلسطيني، وفهم العلاقات الدولية في تلك
اللحظة وذلك "الآن" في ظل الانتقال من السرية إلى العلنية، وفي ظل الانتقال من هدف
تحقيق الولادة والوجود للثورة إلى مرحلة احتلال القاعدة الارتكازية، سيطرت علينا
روح الاستهانة بالعدو، وغاب عنا ان تاريخ الشعب الفلسطيني مليء بالانتفاضات
والتمردات الثورية، ولكن في العشرة أمتار الأخيرة كان الاستعماريون والرجعيون
ينجحون مراراً بتعبئة القوى اللازمة للهجوم وتفتيت قواه وهزيمته.
ان المؤرخين
لأحداث ايلول سيسجلون ان الجهل بكيفية إدارة التحالفات، سواء داخل الصف الفلسطيني
أو على المستوى الدولي الخارجي، قد ترتبت عليه خسارة القاعدة الارتكازية. فالثورة
مستحيلة بدون أزمة وطنية عامة، ذلك هو القانون الأساسي الذي أكدته كل الثورات. وعلى
أرض تلك الأزمة المتصلة بصراع دولي يمكن حسم القضايا. هذه الوصفة التالية لحدوث
انتفاضة كانت متوفرة بشكل تام عام 1970، ولكن استغلال تلك الأزمة كان يتطلب من
القيادة الفلسطينية ان تمثل حقاً (الطبقة الوطنية) والتي هي طبقة أردنية فلسطينية
عريضة جداً، في الوقت الذي تم فيه فرز الساحة إلى أردنيين مع النظام وفلسطينيين مع
المنظمة.
في عام 1945 عقد مؤتمر يالطا، وتقرر فيه شطب الشعب الفلسطيني وإقامة
دولة إسرائيل. وذلك حدث بالدرجة الأولى لأنه لم يكن لنا حليف دولي يجلس هناك يتبنى
مصالحنا ولو جزئياً. فالحلف الإسرائيلي-الأمريكي لن يوازيه الا على الأقل تفاهم أو
حلف عربي-سوفياتي. أو عربي-أوروبي.
الآن، ومن موقع التجربة التي اكتسبناها
نستطيع ان ندرك أخطاء الماضي، وعلى رأس تلك الأخطاء ان الخط الصحيح ينعكس في مدى
التحالفات الملائمة التي نستطيع إنشاءها، وان على هذه المسألة يتوقف ان تصبح
الأقلية أكثرية حقيقية أو لا تصبح. قد يقول البعض ان هذا ليس سوى بديهيات، ولكن الم
يكن ديغول على حق عندما قال ان الحرب هي فن تطبيق البديهيات… ولذلك هي
صعبة.
4)-مرحلـة
النهـوض:
ان حقبة من الردة المضادة
للثورة قد بدأت، وسوف تستغرق ما لا يقل عن عشرين عاماً، إلا إذا اندلعت حرب كبرى
وزعزعت أركان النظام القيصري، بهذه الكلمات ودع لينين أحد أصدقائه عندما قرر العودة
إلى جنيف بعدما عاش "ايلوله الأسود" الروسي، وبقى عشر سنوات ينتظر عودة الظروف
الموضوعية.
اذكر انني ذهبت بعد مأساة جرش وعجلون بزيارة للصين، ونقلت للقائد
شوأن لاي رسالة من الاخ أبو عمار عن ممر الاختناق الإجباري الذي نجد أنفسنا فيه،
ولكم كانت دهشتي عندما علق على شرحي قائلاً.
أبلغ الرفيق عرفات انني درست
قضيتكم ووجدت فيها شيئاً محيراً، وهي ان ظروفها الصعبة ولياليها السوداء لا تطول
إذا ما استمررتم بالنضال. المهم ان تجدوا جبهة تستمرون فيها بعمل مسلح ذي صوت
مسموع. خرجت يومها من ذلك البناء الضخم الى تلك الساحة الفسيحة، مقارنا التحول الذي
حدث في الرؤية الصينية خلال عشرة أعوام فقط، والذي هو تقييم وتثمين للشعب الفلسطيني
العظيم الذي لا يعرف حدوداً للعطاء.
وفعلاً في جو ضياع القاعدة الآمنة في
الأغوار، استعادت القوى المضادة والأنظمة العربية قوتها، بينما كان الإرهاق وخيبة
الأمل يسودان أوساط شعبنا في الداخل والخارج. والهزيمة كما هو معروف تولد اليأس
والتشكك بين القوى الثورية ورجالها. فالانتهازية اليمينية توجهت فوراً للالتجاء
للأنظمة، بينما برزت في إطار اليسار الفلسطيني قوى داخل (فتح) وخارجها فاجأها
التحول المفاجئ من المد الى الجزر، (فأخذوا لا يكفون) عن ترداد اللازمة الرتيبة عن
سقوط النظام بكل مكان، ومن كان يطالب باستنباط العبر فينبغي إسقاطه.
رغم ذلك لم
يصب مفجروا وصانعو عبور الحدود عام 1965 بالهلع بل ضمدوا الجراح وودعوا الشهداء
وتراجعوا بانتظام الى جنوب لبنان، الى دفء ثلوج جبل الشيخ.
كان شعبنا في الداخل
يعيش صدمة الهزيمة الأولى من ثورة بقاؤها يعتمد على التقدم الدائم، فانكفأ على نفسه
لأول مرة. كان وجودنا على ضفة نهر الأردن يجعله يعتقد ان الخلاص على بعد خطوات منه،
وفجأة غادر الخلاص وذهب. وفي ظل ذلك الانكفاء المؤقت حقق العدو الصهيوني هدفين
كبيرين له، فألحق ضربات مهمة بالعمل المسلح بالضفة، وكاد ان يسحق بشكل كامل
الانتفاضة الشعبية المسلحة بغزة، التي حملت العبء عامي 69، 70، إلا أن حركة (فتح)
والجبهة الشعبية وقوات التحرر الشعبية تصدت بشجاعة لها.
وهنا ظنت الامبريالية،
اننا تلقينا درساً حولنا من ثوار يعيشون لتحقيق هدف إلى ثوار أصبح الحفاظ على
حياتهم هو الهدف. فتقدموا لنا بسخاء غريب بمشاريع الدولة الفلسطينية بصورها
المتعددة. وفوجئوا بالرفض الكامل لتلك المشاريع. وذلك الرفض لم يكن في حينه موقفاً
خاطئاً، بل صحيحاً، لأنهم كانوا يعرضون علينا دولة ونحن نتراجع، لتكون دولة
بشروطهم. وقد علمتنا التجربة والممارسة ان الكسب السياسي الذي لا تنتزعه ولا تستطيع
ان تحميه ليس كسباً ولا نصراً، لأن العدو يستدرجك فقط إلى كسب مزيف كي يعزلك
جماهيريا ويدمر إرادة الصمود لديك ثم يأخذ منك كل الكسب السياسي من جديد، والذي
يعطى بسهولة يؤخذ بسهولة الواقع ان الفترة بين السقوط والنهوض لم تستمر أكثر من
سنتين حتى انتعشت من جديد الحركة الثورية الفلسطينية، وبدأ العمل العسكري يتزايد،
وقامت الجبهة الوطنية التي ربطت الخارج بالداخل. وعربياً قامت حرب تشرين التاريخية
حيث قام جيش عبد الناصر وجيش سوريا وقوات الثورة الفلسطينية بحرب هجومية أثبتت ان
الجيش الإسرائيلي وصل إلى قمة صعوده حيث توقف. وشارك سلاح النفط لأول مرة في
المعركة، وانفجرت مشكلة التضخم بالمعسكر الرأسمالي، وحيثما يوجد التضخم يبدأ الصراع
والتفكك بين دول الحلف المقدس الموجه ضد الشعوب.
إذا كانت الشجاعة في المعارك
تتصل بكفاءة الرجال، فإن نتيجة الحرب تتصل بالفكر السياسي والعسكري الذي يقود. ولا
يمكن ان ينسى أحد ذلك التصعيد الفلسطيني للقتال، أثناء وبعد قرار وقف إطلاق النار،
في حرب أكتوبر الشهيرة. عندما وقف مندوب العدو بمجلس الأمن يصرخ أوقفوا الجبهة
الثالثة التي فتحها الفلسطينيون، لقد قاموا بـ 201 عملية خلال الأربع والعشرين ساعة
الأخيرة، كان ذلك المندوب يعني من حيث لا يدري ان نتائج أيلول الأسود قد انتهت، وان
زمام المبادرة قد استعادته الثورة الفلسطينية.
كان المناضلون الفلسطينيون
الثوريون قد تعلموا بأن فن الكفاح السياسي، هو فن الاندراج في الوقت المناسب، وفي
اللحظة المطلوبة في سياق موضوعي، وكانوا وعلى رأسهم ياسر عرفات، قد تعلموا كم النصر
غالي الثمن كي لا يفرط به، وكم الهزيمة مرة وعالية الخسارة كي لا نتساهل بحدوثها.
ومن هنا لم يضيعوا فرصة واحدة لحظة استعادة زمام المبادرة، لاستغلال لحظة تغيير
موازين القوى لصالح الفلسطينيين والعرب. وبينما كانت الانتهازية اليسارية تنظر لخط
التسوية وخط القتال، كان الثوريون في القيادة الفلسطينية يترجمون اللحظة الراهنة
بخط سياسي لبه السلطة الوطنية "الوطنية الفلسطينية"، ويتقدمون لاقتناص الفرص حيث
تلزم أحياناً سنوات وسنوات للتعويض عن شهور ضاعت. وهنا، وعلى ضوء التغير في موازين
القوى، كان صحيحاً تماماً، تبني شعار الدولة الفلسطينية الذي رفضته سابقاً.
أما
الترجمة العملية للواقع الفلسطيني الجديد، فقد عبرت عن نفسها في مؤتمر القمة
العربي، حيث أقرت قمة الرباط أن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب
الفلسطيني. وانفتح العالم علينا وخاصة الاشتراكي، وهنا صرخ مهندس الاستعمار كيسنجر
قائلاً: الغريب أن العرب هم الذين خاضوا حرب أكتوبر بينما الفلسطينيون يجنون
ثمارها. وهنا بالذات تراجعت أمريكا عن كل عروضها. وبدأت حربها ضد فكرة الدولة
الفلسطينية، لأنها أصبحت دولة ستقوم على شروط الفلسطينيين الوطنية ذات السيادة:
ووقف ياسر عرفات داخل الأمم المتحدة يعلن الانتقال من مرحلة المقاتل الفلسطيني إلى
مرحلة ولادة الشعب الفلسطيني من جديد، وتجسدت تلك الولادة بأن دخل الرقم الفلسطيني
في معادلة المنطقة قسراً، ورغم أنف الولايات المتحدة الأمريكية، وأمام النصر
الفلسطيني اضطرت أمريكا إلى نزع قفاز الحرير الذي لبسته مؤقتاً فكانت حرب لبنان،
بعد أن أفشلت المناورات الأمريكية دخولنا إلى مؤتمر جنيف.
5)-الحرب اللبنانية ... وحرب كامب
ديفيد:
مما لا شك فيه أن المقاومة
الفلسطينية لم تؤخذ على حين غرة في لبنان. فأول دروس أيلول الأسود التي تعلمتها
المقاومة أن وراء كل عرض أمريكي للتسوية مخطط تصفية للثورة الفلسطينية. ولقد فضح
اندرو يونغ، بعد استقالته من تمثيل بلاده في مجلس الأمن، خطط أمريكا في لبنان، حيث
قال: لقد كانت سياسة أمريكا منذ العام 1975 في القضاء على منظمة التحرير حسبما خطط
كيسنجر، ولهذا جرى تفجير أحداث لبنان. وعلينا اليوم أن نعترف بأن منظمة التحرير
ازدادت قوة، وعلينا أن نقر بوجودها ونعترف بها.
إن هذا القول يفسر لنا طول أمد
الحرب اللبنانية.
لقد شكلنا منذ بداية الحرب تحالفاً بين القوى الوطنية والثورة
الفلسطينية لمواجهة المؤامرة التي كانت وما زالت تهدف إلى تصفية القوى الوطنية
ومنظمة التحرير الفلسطينية. وكانت السياسة العليا لهذا التحالف تتركز حول تكريس
عروبة لبنان. وحماية الوجود الفلسطيني فيه، وإحداث إصلاحات جذرية بالنظام حسب رؤية
ومطالب الحركة الوطنية. ولقد مرت ظروف صعبة حافظنا فيها على تحالفاتنا مع القوى
الوطنية، رغم عدم اقتناعنا أحياناً ببعض الخطوات والقرارات السياسية، إذ أن التجربة
علمتنا أنه فقط عبر التوحد مع القوى الوطنية يمكن صناعة النصر. وأثبتت الأحداث صحة
هذه المقولة، فلولا الحركة الوطنية ممثلة الشعب اللبناني العظيم الذي حمانا بالصدور
قبل الدور، لما تمكنت الثورة الفلسطينية من الاستمرار والصمود. وبمقدار ما أثبتت
الأحداث أن سوريا، رغم قوتها وتاريخها لا تستطيع التقدم خطوة بدون حلفائها
التاريخيين وأن القوى الانعزالية لا يمكن استغفالها. فقد ثبت أيضاً أن الثورة
الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية لا تستطيعان التقدم وتغيير الواقع في لبنان
بدون سوريا. إن التاريخ سيسجل مستقبلاً أنه ما من أحد تحمل وعانى من أجل فلسطين كما
تحمل وعانى شعب لبنان وأرض لبنان. ولكن التاريخ سيسجل أيضاً أن حرب الإبادة
والتدمير التي نظمتها أمريكا وإسرائيل ضد فلسطينيي لبنان، على حساب لبنان، فالتوطين
والوطن البديل أفكار إمبريالية رفضها الشعب الفلسطيني منذ النكبة، ومن يعمل على
إطفاء شعلة النضال المسلح الفلسطيني يعمل في النهاية على تنفيذ مخطط
التوطين.
بعد مؤتمر الرياض ظن كثيرون أن ذلك المؤتمر هو نهاية مطاف الحرب
اللبنانية. واذكر بعد العودة من الرياض يوم أن وفقنا طويلاً في غرفة العمليات
المركزية أمام تعليق كيسنجر على المؤتمر عندما قال: سينعم لبنان خلال سنوات قليلة
بالأمن والاستقرار. لماذا لم يقل خلال أشهر قليلة؟ … لقد اتضحت الأمور أن أمريكا لا
تريد حلاً للبنان قبل انتهاء مخططها الرامي إلى إعادة السيطرة، وإحكام القبضة على
منطقة الشرق الأوسط، عبر مخطط اتضح تماماً بعد كامب ديفيد.
بمجرد ما أن توقفت
حرب الأشقاء بين سوريا والقوى الوطنية الفلسطينية واللبنانية، حتى عوقبت سوريا ومنع
الردع من اجتياز خط الزهراني النبطية من الانتشار بكل المناطق. وبينما كان
الفلسطينيون يطبقون اتفاقية القاهرة بالانسحاب نحو الشرق، قام الإسرائيليون، بغطاء
انعزالي، في أوائل عام 1977، باحتلال الطيبة والخيام ورب ثلاثين والناقورة، وأطبقوا
على بنت جبيل والعيشية كخطوة على طريق الاتصال بجزين. وقمنا يومها بحضور ضابطين
كبيرين من سوريا باسترداد السيطرة على تلك المناطق. وأتت بعد فلك حرب الجنوب
الكبرى، حيث فشل الجيش الإسرائيلي في تحقيق هدفه الاستراتيجي باحتلال صور وسحق
مخيمات اللاجئين الفلسطينيين.
لقد صمتنا حول دخول قوات الأمم المتحدة إلى
الجنوب، لعلها تشكل حاجزاً في وجه المطامع الإسرائيلية بالجنوب اللبناني. ولكن
إسرائيل منعت الجيش اللبناني وقوات الطوارئ من سد الممر الذي يجعل إسرائيل تصل إلى
نهر الليطاني. وقد فضح ذلك السناتور الأميركي ساوندرز، الذي قال في خطاب أمام لجنة
العلاقات الخارجية في الكونغرس، أن وضع حل لتوزيع المياه الإقليمية شرط لوضع حل
لمشكلة الجنوب اللبناني.
إن سقوط الشاه في إيران، وصمود شعبنا الأسطوري ووحدته
الوطنية داخل الأرض المحتلة وخارجها، قد خلقت معادلة جديدة بجنوب لبنان وفي كل
المنطقة، فبدلاً من الانسحاق بالجنوب تراجعت إسرائيل، وحققنا نصرنا الجديد وهو
اقتحام أوروبا الغربية. فالصمود الفلسطيني واللبناني والعامل الإيراني والموقف
التاريخي لقمة بغداد جعلت أوروبا تدرك أن كامب ديفيد لا يشكل حلاً يمكن فرضه
بالقوة. والحرب اللبنانية التي كان مطلوباً منها أن تحل المشكلة أصبحت هي
المشكلة.
)-الاستقلالية الفلسطينية
تحمي نفسها من المنطق الإقليمي العربي:
عند دراسة الوضع الذي آل إليه الوضع السياسي الفلسطيني يجب ان
نتجاوز بعض المعطيات المباشرة للأزمة وننظر إليها في سياق تطور عام، بمعنى ان
التطور كان سيقود حتماً إلى ظهور واقع محدد.
منذ عام 1968 تسلمت حركة (فتح)
مسئولية منظمة التحرير الفلسطينية وأخذت تكيف نفسها للتواجد في الدائرة القومية
ممسكة في العامل العربي منحازة للعسكرية العربية متخذة الحياد بالنسبة للتناقضات
العربية.
عام 1965 انطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة فتصدت منفردة للتحدي
الإسرائيلي رغم مناخ الهزيمة الذي ساد عام 1967 إلى ان جاءت حرب الاستنزاف المصرية
وبدأت تلوح في الأفق ولأول مرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي إمكانية عمل عربي
مشترك ذي طابع هجومي ضد التحدي الإسرائيلي مما قاد إلى تفجر حرب 1973 المجيدة، ولكن
تحت قيادة السادات الذي خاض الحرب بأفق سياسي يختلف عن الأفق السياسي الذي كان عبد
الناصر يخوض مواجهة التحدي في ظله.
تبلورت في البداية لقاءات لفك الاشتباك على
الجبهتين السورية والمصرية مما قاد الى انعقاد مؤتمر جنيف عام 1974 حيث كان متفقاً
على حضور مصر وسوريا والأردن للمؤتمر فقاومت منظمة التحرير الفلسطينية استثناءها من
حضور المؤتمر كما حدث في مؤتمر لوزان.
طرحت يومها فكرة الوفد الموحد وطلب العرب
في مصر ودمشق من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير إيجاد صيغة سياسية يمكن الدفاع
عنها وتمكن من مشاركتها كممثل للفلسطينيين في الوفد الموحد. فاجتمع جميع قادة فصائل
العمل الفلسطيني المشاركة في منظمة التحرير آنذاك وبعد نقاش دار حول المطلوب واحتاج
الى أكثر من ثلاثمائة ساعة توصل المجتمعون الى برنامج النقاط العشرة حيث تم الاتفاق
على إقامة سلطة وطنية فلسطينية على أي أرض يتم دحر الاحتلال عنها وتحريرها، فكان
قراراً قطرياً في إطار قومي.
وفي هذا السياق فإن سياسة كيسنجر القائمة على
سياسة الخطوة خطوة والاستفراد بمصر وتحطيم منظمة التحرير الفلسطينية العاملان
اللذان يغيران موازين القوى في مواجهة التحدي الإسرائيلي، حالت دون انعقاد مؤتمر
جنيف وجرى بدلاً من ذلك تفجير الوضع الداخلي في لبنان لاشغال المقاومة بها وجرت
صراعات ليبية مصرية، وكردية عراقية، وسورية تركية. وبذلك غابت فرصة نادرة لاستثمار
نتائج الحرب بالطاقة القصوى.
عام
1975 توصل السادات إلى أسس بدء المفاوضات الثنائية المصرية الاسرائيلية الأربعة
وهي:
1-إسرائيل ستنسحب إلى الحدود
الدولية لمصر مع فلسطين.
2-إزالة جميع المستوطنات من الأراضي المصرية.
3-لا
ربط بين التقدم على المسار الفلسطيني والمسار المصري.
4-قيام السادات بزيارة
للقدس وإلقاء خطاب في الكنيست.
وبذلك تخلت مصر الساداتية عن الأفق السياسي
الناصري المتجسد بخط سياسي واضح (القدس قبل سيناء) معتبراً ذلك هرطقة سياسية
ومصمماً على ان سيناء طريق القدس، متناسياً انه مثل هرطقة سياسية كبيرة على المستوى
القومي.
باتخاذ مصر سياسة ذات وجهة إقليمية هدفها إحلال السلام المنفرد مع
الإسرائيليين خرجت مصر من ساحة المواجهة تاركة إسرائيل تستفرد بالفلسطينيين، ولقد
انتفى بذلك هدف العرب المشترك في (إزالة أثار العدوان)، وحاول الرئيس ياسر عرفات
إقناعه بالتمهل فالثورة الإيرانية على الأبواب ويمكن بعد حدوثها زيادة المطالب
السياسية ولكنه أبى ذلك ووقع اتفاقية كامب ديفيد مطلقاً يد إسرائيل وأمريكا
بالمنطقة وانفرط عقد التضامن العربي الحقيقي وأصبح واضحاً للعرب جميعاً ان السلام
مع إسرائيل غير ممكن بالتمسك بمنظمة التحرير الفلسطينية التي لا بد من القضاء عليها
لإنهاء ما بقي من ارث للحركة القومية العربية وعاد المنطق الإقليمي البغيض وتصدت
(م.ت.ف) لوحدها لحرب 1979 وصدت 34 ألف جندي إسرائيلي واستطاعت عام 1981 ان تفرض على
إسرائيل طلب الهدنة لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.
7)-حصـار بيـروت:
لقد قررت إسرائيل ومن ورائها (هيج) وزير خارجية أمريكا الذهاب
الى بيروت وتدمير البنية التحتية لمنظمة التحرير الفلسطينية وقطع رأسها، فاتفاق
كامب ديفيد اتفاقاً غيَّر وجهة مصر من الشرق الى الغرب وأصبح في متناول اليد لدى
المخطط الإستراتيجي لحلف الأطلسي جميع الشروط لإعادة واحتواء كل المنطقة عبر إزالة
العامل الفلسطيني من المعادلة الإقليمية شرطاً إسرائيلياً للتعامل مع المنطقة وهكذا
جاء الهجوم الإسرائيلي عام 1982 والذي كان مقرراً له أن يصل إلى بيروت قبل ان يبدأ.
وقام الرئيس ياسر عرفات منفرداً ويرافقه أحياناً أخرى أبو جهاد وأبو الوليد وأنا
مستشاره السياسي لنقل المعلومات المتوفرة ولكن الشقيق السوري والصديق السوفياتي
كانوا يرفضون تصديق المعلومات لأنهم يريدون التهرب من مواجهة القرار الدولي الذي
اشترط لحل مشاكل المنطقة السياسية والاقتصادية إنهاء وجود منظمة التحرير
الفلسطينية
العسكري فوق الأراضي اللبنانية لأنها تقاتل بهدف كبير جسده
القائد العام ياسر عرفات عندما سأله فيليب حبيب عبر السفير السوفياتي الى أين يريد
الخروج؟ فكان رد عرفات الى القدس.
إن ظاهرة الهروب من التضامن العربي ومن تحمل
المسئولية المشتركة مع النظام الفلسطيني تجد جذورها في إطار الترتيبات التي تحكمها
المنطلقات الإقليمية الذاتية للنظم العربية، ويكمُن وراءها توسيع رقعة النفوذ
بالنسبة لذلك البلد، مبررين ذلك بأنه سيحول الدولة القطر الى (الدولة المركز) والتي
ستكون أقدر على مواجهة إسرائيل بعدما يزداد نفوذها. وبذلك كان على ياسر عرفات
وقيادة (فتح) ان تثبت مرة أخرى قدرتها على تعويم نفسها في وسط الصواعد والهوابط
الخطرة المسماة بالسياسة العربية عندما تصبح إقليمية متمحورة على الذات.
الحركة
الوطنية الفلسطينية عملت دائماً على الانسجام مع أية إستراتيجية عربية مشتركة موجهه
ضد إٍسرائيل، وعندما تفتقد تلك الإستراتيجية تتحمل المسؤولية وحدها. إلا انها ووجهت
دائماً بمخطط لابعادها عن الحدود العربية. فقد بدأ هذا المخطط عام 1968 بمعركة
الكرامة وعام 1970 بأيلول الأسود، ثم جاء مطاردتها بلبنان وجاء كامب ديفيد وجاء
التخلي العربي الرسمي أثناء خوض معركة حصار بيروت التي كان يمكن الحاق هزيمة
تاريخية بالجيش الإسرائيلي لو ان سوريا تصدت منذ البداية للهجوم الإسرائيلي. وفي
عام 1983 أزفت ساعة الحسم للإجهاز على (فتح) لإقامة منظمة تحرير بديلة في دمشق
وشاهدنا لأول مرة الفلسطيني يقاتل أخاه الفلسطيني في المخيمات وقاتل أصحاب القرار
الوطني المستقل دفاعاً عن (م.ت.ف) وبقائها ممثلاً شرعياً وحيداً أبو موسى وغيره ممن
كانوا صوت من يريدون دفن إنجازات الجيل الفلسطيني الراهن، واصبح الفلسطينيون مهددين
من العودة إلى تلك الفترة التي سبقت إنشاء المنظمة حيث كان الغير يتكلم باسمهم دون
التمسك بقضاياهم.
لولا الانتماء الصادق للشعب الفلسطيني بكل أماكن تواجده
للنظام السياسي الفلسطيني والذي تجسد بمنظمة التحرير الفلسطينية والتي تحولت الى
وطن معنوي لكل الفلسطينيين وترادف ذلك بالانتفاضة التاريخية التي لم تكن عظيمة
بادائها فقط وانما أيضاً بولادتها بلحظة إخصاب دولية فأقنعت العالم وعلى رأسهم
الحركة الصهيونية وأمريكا بأن الشعب الفلسطيني لن يهزم ولا بد من التعامل مع منظمة
التحرير الفلسطينية بصفتها الممثل الشرعي والوحيد له. والإقرار بالحقوق الوطنية
للفلسطينيين.
8)-الحصــاد:
حوار طويل دار داخل (فتح) بين المدرسة التي تريد رفع شعار ثورة
حتى الاستشهاد بالتركيز على التضحية بالنفس كهدف وبين التيار الآخر الذي اعتبر
الشعارات مدخلاً أساسياً لتثقيف الشعب وانه علينا ان نعلم الشعب حس الكلمة ودقة
المعنى.
لقد رفضت (فتح) شعار ثورة حتى الاستشهاد أو حتى الموت إذ أنه من المسموح
للأفراد ان يستشهدوا ولكن ليس للثورة أو للقضية. ولذلك رفعت (فتح) شعار ثورة حتى
النصر، فكررت منذ انطلاقتها مبدأ الزرع والحصاد. فالنضال المسلح يزرع والنضال
السياسي يحصد ومن لا يحصد لا يزرع، ومجرم من يضحي بالدماء الفلسطينية والعربية
ويرفض أن يحصد.
وضع مقولة الزرع والحصاد موضع التنفيذ أمر بالغ التعقيد بسبب
افتقاد الأرض والنصر العسكري الذي لا يستثمر لا يفرق عن الفشل.
حرب 1973 كانت
بالنسبة للعرب آخر الحروب مع إسرائيل وشكل استمرار المواجهة المسلحة الفلسطينية
اللبنانية مع الإسرائيليين تفوقاً معنوياً مهماً على النظم العربية فبادروا الى
مساعدة منظمة التحرير على كافة الجبهات باستثناء العسكرية منها، وأجاد ياسر عرفات
اللعب على التناقضات العربية فحفظ التوازن المطلوب للاستمرار ولم يحن الوقت بعد كي
نروي قصص الكيفية التي تمت فيها إنجاز التحولات السياسية للدول الأوروبية
والأفريقية والآسيوية والإسلامية ودول أمريكا اللاتينية.
لقد ثبت بشكل واضح مدى
الأهمية التاريخية لولادة الميثاق الوطني الفلسطيني حيث كان حدثاً بارزاً على طريق
إعادة بناء الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني وإرساء العلاقة الفاعلة بين الوطني
والقومي محدداً بوضوح ان منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب
الفلسطيني أينما وجد، معرفاً الفلسطيني على انه من ولد أو انحدرت سلالته من اب
فلسطيني وان كل فلسطيني عضو طبيعي في المنظمة. ولولا تجسيد تلك الكيانية الفلسطينية
لما كان بالإمكان تحويل الكفاح المسلح وتضحياته إلى إنجازات سياسية كالحصول على
الشرعية الدولية والتي تجسدت بقرار الأمم المتحدة بتاريخ
22/11/1974 الذي اعترف
بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره دون أي تدخل خارجي وحقه في الاستقلال الوطني
والسيادة والعودة واستخدام جميع الوسائل للوصول إليها وحقه في المشاركة في جميع
مؤسسات الأمم المتحدة، وأعطته هذه الحقوق صفة الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف أو
السقوط بفعل الزمن وحدث ما لم يحدث من قبل حيث أمست حركة التحرير الوطني الفلسطينية
المشهرة للمواجهة المسلحة عضواً مراقباً في الأمم المتحدة.
وفي نفس العام
1974 تم الحصول على اعتراف جميع الدول الأعضاء في الجامعة العربية بالمنظمة ممثلاً
شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني. فأصبح للحركة الوطنية الفلسطينية مضموناً وشكلاً
مؤسساتياً هيئا لولادة النظام السياسي الفلسطيني الجديد ولو بصورة جنينيه، والذي
تبلور بمؤسسة تشريعية هي المجلس الوطني الفلسطيني وتنفيذية وقضائية في ظل غياب
السيادة على الأرض، وتم تنظيم الشعب الفلسطيني وتأطيره ورعايته (قدر الإمكان)
اجتماعياً وتعليمياً وصحياً، وتأمين حقوقه الأساسية على صعيد التنقل والعمل
والإقامة في ظروف اقتضت ممارسة توازنات على الساحتين العربية والدولية بالغة الدقة،
وفي ظل الاحتلال والعمل على دحره، فتم في إطار منظمة التحرير الفلسطينية توفير
أرضية سياسية رسختها الفصائل الفدائية (الأحزاب السياسية) كعامل إقليمي قائم بذاته،
فقام بذلك وطن معنوي للشعب الفلسطيني ذو دلالات سياسية كبيرة، فوضع الفلسطيني قدميه
على طريق التحول من (حالة) إلى (قضية) أي من ماضٍ إلى مستقبل.
بعد النكبة الأولى
سئل جون فوستر دالاس عن الفلسطينيين فأجاب بأن الفلسطينيين ضاعوا بين إقدام الفيلة
في يالطا فالذين غادروا سيموتون بالخارج ومن سيولدون في الخارج لن يتعلقوا بفلسطين
لأنهم لا يعرفونها وسيتعلقون بالأوطان التي ولدوا فيها. وبعد نكسة عام 1967 وصلت
الطموحات الصهيونية الى مداها وعندما سئلت جولدا مائير عن مستقبل الفلسطينيين
تساءلت أين هم الفلسطينيون انى لم أسمع بهم.
واليوم وبغض النظر عن الاختلاف في
وجهات النظر بالعملية السلمية الا ان الفكر الصهيوني يواجه مأزقاً غير عادي الا وهو
سقوط أحلامها مما يعني سقوط عالم وقائعها وحقائقها. فالفلسطيني الذي هو نقيض
الصهيوني يعود إلى الخارطة السياسية، فقد أمسى واضحاً وواقعاً لا خلاف حوله ان
القرن الواحد والعشرين سيكون قرن ولادة الدولة الفلسطينية وسيصبح بذلك للقضية
الفلسطينية أرضاً وسيتوقف بسبب ذلك انتشار الفلسطينيين نحو الخارج وسيتحولون
للانتشار نحو الداخل مسقطين بذلك المقولة الصهيونية (أرض بلا شعب لشعب بلا
أرض).
لقد كتب حاييم وايزمن بمذكراته ان بريطانيا وعدته بتسليم فلسطين خالية من
السكان قبل عام 1930. واليوم يتجاوز عدد الفلسطينيين فوق أرض فلسطين فقط الأربعة
ملايين وهو في تزايد يومي وتم إرساء مؤسسات الدولة الجنينية في الضفة والقطاع من
بلديات وجامعات ومدارس ومستشفيات ومشاريع صحية وسكنية. الا ان الأهم هو ان فكرة
التعددية تكرست كأساس للعلاقات بين القوى السياسية في إطار حرية التفكير والتعبير،
وأغنت في أعماق الشعب الفلسطيني قيم الانتماء الوطني والتي أخذت تدريجياً تدفع
الانتماءات الضيقة كالقبلية والعائلية إلى الخلف، حيث تجلت تلك الحقيقة في انتخابات
المجلس التشريعي، حيث قطع الشعب شوطاً مهماً على طريق إقامة إطار الدولة القومية
عبر الإنجاز الهام في التقدم عدة خطوات على طريق صهر التجمعات الفلسطينية المتناثرة
في الضفة والقطاع.
تقييم أي تجربة تاريخية يقوم على تقييم النجاح أو الفشل على
صعيد المنظمومة الفكرية أو على صعيد الإدارة والتوجيه وإما على الصعيدين معاً،
فقدرة حركة ثورية على تحقيق أهدافها ليس قضية نظرية بل هي في نهاية المطاف قضية
عملية.
ومن الطبيعي ان تثير التجربة الفتحوية نقاشات حادة وان ينقسم المهتمون
بين مؤيد ومعارض وكيف لا وقد واجهت عدواً يعني التصدي له التصدي للعالم. وكيف لا
وقد قررت حركة (فتح) الناشئة قبل أكثر من أربعين عاماً إسقاط خارطة سايكس بيكو عبر
إسقاط الفكر الصهيوني أولاً وإسقاط الصهيونية كواقع بإقامة السلطة الوطنية ودولة
فلسطينية في أرض فلسطين كخطوة على طريق إقامة الدولة الديمقراطية الفلسطينية في كل
فلسطين. ومؤرخ المستقبل سيقف بدون شك ناقداً، سلباً وإيجاباً، ولكنه لن يستطيع إلا
التعبير عن الإعجاب بتلك الكوكبة من قادة تحالف منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة
(فتح) وعلى رأسهم تلك الظاهرة التي اسمها ياسر عرفات والذي استطاع ان يواجه النوء
العاصف في منطقة إيقاع التاريخ فيها خاضع للتسارع الحاد كما هو خاضع للتباطؤ الحاد
أيضاً وعند كل تغيير في سرعة الإيقاع يُلقي جانباً ببعض المشاركين. ولم يستعص على
تلك القاعدة إلا الفلسطينيين وعلى رأسهم ياسر عرفات الذي كانت مهمته انتظار لحظة
الحصاد الفريدة التي أصبح تحديد موعدها بيد العامل الدولي فقط، بعدما أوقفت النظم
العربية العاجزة المواجهة العسكرية مع إسرائيل وتُرك الفلسطيني يواجه وحده، فاستطاع
تجاوز التصفية الجسدية والسياسية في حصار بيروت يوم تخلى عنه الصديق والشقيق (ما
عدا فرنسا والمملكة العربية السعودية)، وأنجز أهم حدث سياسي وهو توقيع الاتفاق
الأردني الفلسطيني عام 1985، باعتبار ذلك الحدث نصف الطريق لإقامة الدولة
الفلسطينية على اعتبار ان قيامها يتطلب توقعين، عربي يوقعه الأردن ودولي توقعه
إسرائيل.
وبينما كان الفتحويون يستعدون للمواجهة الكبرى لانتزاع الإقرار الدولي
بقيام الدولة الفلسطينية في إطار مؤتمر دولي يتوازن فيه الأمريكي والسوفياتي. فإذا
بهم يتفاجؤون كما تفاجأ كل العالم بتسارع إيقاع التاريخ على مستوى العالم عبر سقوط
إمبراطورية الاتحاد السوفياتي الأمر الذي قاد حكماً الى سقوط التوازن الدولي على
مستوى العالم، مما أتاح الفرصة للأمريكيين لشن حرب الخليج والدخول الى الوطن العربي
ليتحول الشرق الأوسط إلى بيت أمريكي لم يعد أصحابه الجدد يقبلون إشعال الحرائق
به.
مرة أخرى لم يتمكن إيقاع الأحداث الجديد المتسارع والمتباطئ في الشرق الأوسط
من أن يلقي الفلسطينيين جانباً حيث استطاعوا بقيادة الظاهرة ياسر عرفات من ان
يؤمنوا مقعداً وتواجداً على طاولة مؤتمر مدريد فأصبح وجودهم على الخارطة السياسية
في الشرق الأوسط أمراً غير قابل للجدل.
مرحلة الكفاح السياسي التي بدأت بتوقيع
اتفاق أوسلو أثارت إنقساماً طولياً في وسط الشعب الفلسطيني وقواه السياسية وفي داخل
حركة (فتح) وخارجها، والمعركة السياسية مازالت مستمرة الا أن نتائجها سيكون لها
تأثيرات واسعة إما سلبية أو إيجابية ولا أريد اليوم ان أخوض فيما لم يصبح بعد جزءً
من التاريخ.