فتـح .. المسيـرة والجـذور


مع إشراقة عام 2000 يكون عمر حركة (فتح) قد القى ظله على أربعين عاماً مضت. والحديث عنها يعني الحديث عن تاريخ الشعب الفلسطيني الذي مسيرته النضالية وتاريخ الشرق الأوسط كثيراً ما يتداخلان بل ويترابطان.
ان ظروف التجزئة العربية، والقيمة الإستراتيجية للمنطقة وثرواتها، والحركة الصهيونية ذات النفوذ الواسع في عواصم الدول الكبرى وطبيعتها الاستيطانية التوسعية، كل ذلك يجعل الحديث عن تاريخ الثورة الفلسطينية الحديثة بقيادة فتح ليس سوى حديث عن سلسلة من المراحل التاريخية حيث جرى في كل مرحلة مواجهة لمشكلة محددة، مما يتطلب نضالاً دؤوباً لتجاوزها. ومن هنا فإن ما سأفعله اليوم هو استعراض موجز لبعض سمات المراحل التي جرى تجاوزها والتي لم يجرِ، كمراحل تحدٍ أو مراحل أزمة.
1)-مرحلة التأسيس … مرحلة التجاوز الفكري:
جميع الذين تركوا بصماتهم في التاريخ كان بإمكانهم ان يتلمسوا في كل مرحلة التحولات التي كانت تفرض ذاتها كواقع، فيعبروا عن ذلك بمنظومة فكرية قادرة على السيطرة الفكرية على (الآن) التاريخي لبلد معين في فترة معينة، ومن خلال هذه السيطرة لا تبقى المسألة الأساسية أمام الثورة: ما العمل؟ بلا جواب. وحسب هذا الجواب يأتي الانتقال من مرحلة الرفض اللفظي إلى مرحلة التصدي الدائم. ويمكن إجمال المفاصل الأساسية للمنظومة الفكرية الفتحوية بالعناوين التالية:
1-ما هو التناقض المحرك للتاريخ بالساحة العربية
لقد تجاوزت الثورة الفلسطينية الفكر العربي السياسي الذي ساد في الستينات بواسطة القوى العربية القومية والماركسية والتي تخلص لتحليلات وبرامج سياسية مارست تطبيقها على مدى عشرين عاماً، تحقق في ظلها نجاح جزئي في بعض المجالات وهزائم كبرى في مجالات أساسية. وكانت تجربة الفكر القومي الناصري أبرز تلك المحاولات للمجابهة مع القوى الخارجية وقيادة معركة التحرير والبناء. الا ان تلك التجربة إذ بقيت غير شاملة، لم تستطع الصمود أمام تحالف الرجعية العربية مع الصهيونية عبر أمريكا. ومن خلال عدم قدرتها على الصمود شكلت الرحم الذي ولدت في ثناياه الرؤية الفلسطينية الثورية التي كانت نقيضاً للاطروحات السائدة.
ان الفتحوية بما هي منهج نجح في قيادة النضال الفلسطيني عبر السنوات الماضية، لم تختلف مع الماركسيين العرب حول صحة مقولة الصراع الطبقي التي هي قانون طبيعي من قوانين التطور الاجتماعي، ولا هي اختلفت مع القوميين العرب حول هدف الوحدة والحرية والاشتراكية، ولا هي اختلفت مع الإسلاميين لقولهم انها معركة بين الكفر والإيمان، ولكن الخلاف كان في اختيار النقطة الصحيحة للبدء التي تشكل وحدها النقطة الملائمة للتقدم نحو التطور والتغيير.
ان الفتحوية وجدت منذ اواخر الخمسينات، ان التناقض الرئيسي الذي على الأمة العربية ان تواجهه هو التناقض بين الأمة العربية من جهة، وبين الاستعمار العالمي من جهة أخرى. وان أبرز تجسيد مادي لذلك هو إسرائيل. وان مضمون هذا التناقض هو الصراع العربي الإسرائيلي. والنقطة الهامة التي وضعت الفتحوية يدها عليها هي هل المحرك الأساسي لتطور الأحداث في المنطقة هو في مواجهة الوجود الإسرائيلي، أم بمواجهة الرجعية العربية؟ ومن يحمي الآخر؟ لقد أجابت الفتحوية على هذا السؤال بان اعتبرت التناقض الأساسي هو مع إسرائيل، دون أن يلغي ذلك العلاقة الجدلية بين التناقض المذكور والتناقضات الذاتية في الوطن العربي، إلا أن أي تقدم تحرزه على جبهة المواجهة مع العدو الإسرائيلي، تحرز بمقداره تقدماً على الجبهة الداخلية ضد القوى الرجعية، التي هي تجسيد آخر للامبريالية تحميه المظلة الإسرائيلية وليس العكس. ان مقولة القوى الماركسية والقومية العربية منذ الخمسينات، والتي تمثلت في ان القضاء على الرجعية العربية أولاً وبناء أنظمة ثورية سيؤديان حتماً الى الوحدة والحرية والاشتراكية وتحرير فلسطين، لهي بنظر الفتحويين وهم إيديولوجي.
انها تبدو مترابطة منطقياً، ولكنها غير ممكنة التطبيق من الناحية العملية، لأنها ليست حقيقة واقعية. فالرجعية العربية ليست اختياراً بسبب تخلف فكري أو ثقافي، ولا هي بسبب نتاج اقتصادي، انما هي بناء تحتي أيضاً أمدته اسرائيل وأمريكا بقوة الحياة وأنشئ لمعظمه وبالمفاصل الحساسة منه بشكل قسري. ومن هنا فإن تحرير أية منطقة عربية، وخاصة في دول الطوق، لا يكون تحريراً حقيقياً على مستوى الاستقلال السياسي والاقتصادي إلا بمقدار ما يكون ذلك التحرير على حساب إسرائيل. وهل يمكن ان ننسى ان عبد الناصر الذي أتى رداً على هزيمة عام 1948، واجه حرب حزيران 1967 بكل ما انطوت عليه من محاولات لإعادته إلى النقطة التي انطلق منها عام 1952 وان الجيش السوري منذ عام 1975 يقف عاجزاً عن الانتشار في كل لبنان لأنه يعرف ان طريقه إلى جونيه هو طريق إسرائيل إلى صيدا والقنيطرة.
2-القومي والقطري:
كان العمل الحزبي العربي يرفض فكرة النضال القطري التي طرحتها (فتح) ويتصدى للثورة الفلسطينية، منذ البداية، متهماً إياها بالإقليمية. والغريب ان النقاش حول القطري والقومي والإقليمي والإسلامي والعربي مازال محتدماً مع ان تجربة القرن الماضي أثبتت ان تحقيق أية نهضة قومية مستحيلة بدون الاعتراف بالقطرية (لا الإقليمية) وخصوصيتها كبنية تحتية للقومي. فالعقل السياسي العربي كما يقول مفكرنا الكبير عابد الجابري ما زال محكوماً بمحددات إجتماعية واقتصادية وثقافية وعلى رأسها منهج العشائرية والطائفية ومنطق الغنيمة وافتقاد الإيديولوجيا الجماعية.
القضية بكل بساطة هي إيقاف قضية (القطري والقومي) على قدميها بدلاً من رأسها. ففي الماضي كان الشيوعيون في البلاد العربية على سبيل

المثال يصيغون إستراتيجية تنطلق من إستراتيجية الاتحاد السوفياتي ولذلك ثقفوا جيلاً كاملاً تناثر في كافة الأحزاب بخط سياسي متصالح وإقليمي فعلى الصعيد الوطني علينا الامتثال للاتحاد السوفياتي فنتائج الثورة في المتربول ستحسم وتغيّر الأمور، وعلى الصعيد الاجتماعي خطاً إصلاحياً، وعلى الصعيد القومي مارسوا منطقاً إقليمياً نابعاً من انتظار الثورة في المتربول.
نفس الشيء يمكن ان يقال عن الفكر القومي البعثي الذي استطاع كحزب واحد موحد، ان يوحد العراق وسوريا، إلا ان ذلك الحدث التاريخي بدون شك انتهى ليس فقط بانفراط تلك الوحدة بشكل عدائي بل وانقسم الحزب الى حزبين وعاد الصراع التاريخي بين دمشق وبغداد والقاهرة ودفع الفلسطينيون ثمناً غالياً لذلك التنافس والتنافر لأنه كان تنافساً إقليمياً لا علاقة له لا بالقومية ولا بالقطرية، عبر دخول الفلسطينيين اليساريين بالاستقطاب تارة من دمشق وأخرى من بغداد العاصمتين اللتين تحولتا إلى متربول لتلك القوى.
الرؤيا القطرية الشاملة في إطار قومي تؤدي إلى القومي ومن ثم إلى الكوني والعكس ليس صحيحاً فهي معادلة غير قابلة للقلب.
ماذا يعني الفتحويون بجملة في إطار قومي:؟
المعادلة الصحيحة آنفة الذكر معادلة واقعية وثورية في نفس الوقت لها رأس ولها قدمين في الوقت نفسه، فهي واقعية لأنها وحدها القادرة على التقاط الخصوصية القطرية وهي ثورية لأنها تمنح أصحابها العقلانية اللازمة عند وضعها موضع التنفيذ عبر امتلاكهم خاصية التوازن بين القطري والقومي ذلك التوازن طريق انتشار الإخاء القومي القادر على خلق واقع قومي جديد.
القطرية العقلانية المتوازنة تتوازى مع مثيلاتها من القطريات الأخرى بالثوابت الدائمة وهي (الأرض والحفاظ عليها والوحدة الوطنية كمطلب تاريخي لها إلى جانب الحفاظ على الكرامة الوطنية)، كل ذلك في إطار الثابت الأكبر الشراكة العربية كمبدأ دائم وخاصة في مجال الثقافة التي لا يجوز أن تكون إلا قومية المنهج والأفق وتماثل التجربة عند التطبيق الديمقراطي ففكرة الحزب الواحد أضاعت على الأقطار العربية فرصة اللحاق بالتطور العالمي لأنها لا يمكن أن تقود إلى تطبيق الأهداف السامية بشكل خلاق والفكر السلفي ما زال يتعلم ببطء ويصر على وجود المستبد العادل حيث تتناقض فكرة العدل مع الاستبداد.
في الخمسينات جُزئ الفلسطينيون بين (فلسطينيوا الداخل والخارج) فلسطينيوا الداخل عاشوا معاناة التجذر بالأرض فأسسوا منظمة الأرض والتي كان اسمها عنوان المعركة والمهمات الراهنة آنذاك.
فلسطينيوا الخارج دخلوا الأحزاب العربية ظناً منهم أنهم عبرها سيعالجون قضية فقرهم وحياتهم المعيشية الممزوجة بالذل وهُيىء لكل منهم أنهم عبر تلك الأحزاب سيسيرون على طريق العودة إلى فلسطين التي لم يلبثوا أن وجدوه طريقاً حالماً فراح الفلسطينيون يشكلون الجمعيات السرية الباحثة عن أفق، ولكنها كلها رغم كثرة أعضائها كانت مصابة بعقدة عانى منها الفلسطينيون عبر قرن من الزمن وهي التطلع إلى مرجعية خارجية باسم قومية المعركة متحولين بذلك إلى حركات وجبهات بدون أفق قطري فلسطيني إلى أن جاءت حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح):
3-حركة غير خاضعة وغير تابعة:
القوى غير الفتحوية كانت تخلط بين الفكر الإقليمي والفكر الوطني.
الإقليمية فكرة مدمرة لم يعرفها الفلسطينيون عبر تاريخهم الطويل بينما الوطنية تقود إلى تجميعٍ لطيفٍ واسع من القوى السياسية والاجتماعية. وقررت (فتح) إسقاط الإرهاب الفكري الذي يمارس من القوى الحزبية والناصرية فأعلنت أن الخوف من اندلاع واستشراء الروح الإقليمية لا يواجه إلا بقيام قيادة فلسطينية تتحمل مسئولية الإعلان عن وجود خصوصية قطرية فلسطينية تتكامل مع القومي من خلال الدياليكتيك الثوري الذي تتمتع به القضية الفلسطينية. ففلسطين بُعد قومي وليست بعداً جغرافياً إلا أن ما لا يسمح به هو مصادرة الذات والشخصية الفلسطينية بحجة قومية المعركة وعروبتها. و(فتح) والقوى السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي أصرت على بلورة الشخصية الفلسطينية عبر النضال، لم تفعل ذلك ارتداداً ورفضاً للبعد العروبي للقضية الفلسطينية، وإنما تأكيداً له. فبدون بروز قيادة سياسية تمثل الفلسطينيين تفقد الثورة الفلسطينية صفتها التحررية والقطرية الأساسية، وتبدو القضية وكأنها نزاع بين الدول العربية وإسرائيل الأمر الذي كان سيسلب التأثير والحصول على تأييد الرأي العام العالمي والدعم الدولي.
لقد أثبتت التجربة أن العمل الفلسطيني قومي التركيب والوجود وأنه كان وسيبقى نقطة تجمع وتلاقي وانصهار جميع التناقضات العربية، لكون التناقض بين العرب والإسرائيليين تناقضاً أساسياً بسبب طبيعة الصراع. والمستقبل في الوطن العربي ليس في يد الحزب أو الحركة التي تملك البرنامج الأكثر تقدمية فقط وإنما في يد الحركة الوطنية التي محور تحليلها يقوم على إدراك الخطر الإسرائيلي سواء كان عسكرياً أم اقتصادياً أم ثقافياً هذا كان في القرن الماضي وسيستمر أيضاً ربما إلى منتصف القرن القادم.
4-مرحلة الرفض المسلح للكيان الصهيوني:
إن المحك الحقيقي للتجاوز الفكري والسياسي هو القدرة على الانتقال به من حيز النظرية إلى ورشة العمل والتنفيذ، وخط الأنظمة الوطنية كان يؤمن بتأجيل المواجهة مع إسرائيل إلى ما بعد الانتهاء من مرحلة بناء القوى الذاتية وتطوير القوى العسكرية، بحيث يمكن فجأة توجيه ضربة إستراتيجية للعدو فيقضي عليه، دونما إعطاء أية فرصة للإمبريالية الأمريكية بالتدخل. وقد كان تحرك فتح في 1/1/1965 لضرب نفق عيلبون هو الرد على ذلك الوهم الإستراتيجي المتماسك نظرياً، وغير الممكن عملياً، كما كان التحرك بداية عملية لفرض استراتيجية الكفاح المسلح الطويل الأمد، بديلاً عن إستراتيجية الحرب النظامية. وكان من الطبيعي ان تكون الولادة ولادة صاخبة في الداخل والخارج، حتى أن علي علي عامر المصري الجنسية

قائد القوات المشتركة العربية أصدر أوامر، لجميع الجيوش العربية بملاحقة فدائيي (فتح) وإغلاق كل الجبهات في وجههم. في داخل "فتح" عاشت الحركة أول أزمة داخلية لها في الصراع بين خطين: خط أصر على حرب شعبية تبدأ شابة وفتية بعملية مسلحة يشارك بها الالاف، وخط قاده ياسر عرفات يقول بأن الثورة كالإنسان لا يمكن ان تولد شابة، بل من الطبيعي ان يكون المولود صغيراً ينمو عبر الصراع ومواجهة التحديات. حتى أحمد موسى، قائد أول عملية، جلس مقابل بيسان على الأرض يستجمع قواه لأول عبور مسلح منذ عام 1948، وعندما اكتشف ان القنبلة اليدوية التي معه مربوطة بخيط بدل حلقة الأمان تساءل. ابهذه القنبلة المربوطة بخيط تريدون التحرير؟، فكان الجواب نعم، هذه القنبلة هي طريقنا لامتلاك قنبلة كاملة، وهذا الرشاش الصغير هو طريقنا للرشاش المتوسط والثقيل.
اما على الساحة العربية فقد ثارت نقاشات طويلة اتهمت عبرها فتح باتهامات كثيرة، لم يكن أقلها انها عميلة حلف السنتو، وكتبت تحليلات مطولة حول خطورة توقيت بدء الثورة، الذي سيعطي فرصة للعدو الصهيوني كي يهاجمنا بدون استعداد، وان عدم التنسيق مع القوى الوطنية هو توريط للوضع العام. وهذا الحوار كان طبيعياً، لأنه عندما تولد استراتيجية جديدة وتخرج من ورشة العمل الى التطبيق العام، فهذا يعني ان نظرية ستعيش وأخرى ستموت، وبالتالي لن يحسم الخلاف الا بسقوط خط وتكريس خط آخر.
والثورة الفلسطينية طيلة عامي 1965-1966 لم تهزها تلك الاتهامات، لأنها كانت ترى فيها عجز الأنظمة والقوى الوطنية رغم إخلاصها وهي تصر على ان ترى الأمور من موقع طوباوي. والطوباوي تأملي يظل دائماً في إطار ما يعرف ويبالغ بمخاطر ما لا يعرف. وهو يستطيع رؤية الهدف والتمسك به بحزم ولكنه يقف عاجزاً أمام تحديد البرنامج ونقطة البدء فيه والخطوات اللازمة لتحديد الهدف.
الشعب الفلسطيني رسمت له اتفاقية (سايكس بيكو) حدود إبادة وتشريد وليس حدود استقلال قادم كما هو الحال بالنسبة لسوريا ولبنان والعراق. وسيكون الحديث عن التوقيت الملائم للفلسطينيين للاشتباك مع قاتل يُعمل في كل ثانية سكين الاستيطان والترانسفير أمراً ساذجاً ويتناقض ومنطق إدارة الصراع، خاصة وان هنالك امتداداً للمساحة الزمنية للثورة الشعبية الفلسطينية يرجع الى عام 1917 وما تزال ماضية لإنجاز مهامها مارة بثورة 1929 وبثورة عز الدين القسام عام 1936 وحرب عامي 1947، 1948 وبثورة (الفتح) عام 1965 والتي ليست سوى مرحلة من مراحل سبقتها وأخرى ستليها.
5-التوقيـت:
ان الحديث عن التوقيت المناسب لا يُقرره عدم توفر الشروط المطلوبة في المدى القصير لأن عدم الانخراط بالوضع السياسي العام سيقود إلى اضعاف الشروط المناسبة القائمة الآن لممارسة الكفاح والمواجهة. والاهم من ذلك ان الانخراط بالكفاح يقود إلى تطوير الأوضاع الخاصة ويفتح الطريق أمام استعداد أفضل لمواجهة الأمور الأكثر خطورة الكامنة في المستقبل (راجع بيان التوقيت الصادر عام 1965).
إن الانخراط في الوعاء الزمني للأحداث في الشرق الأوسط مرتبط سلباً أو إيجاباً بالوعاء الزمني لحركة الأحداث حيث تتداخل العوامل المحلية والدولية فتساند المبادر وتُسارِع الأحداث ان كانت إيجابية.
انتهاء الحرب العالمية الثانية قاد إلى الحرب الباردة والتي قادت الى مرحلة خوض الحروب بالواسطة وأخذت أمريكا تصفي الوجود البريطاني بالشرق الأوسط والخليج فاستغلت كوكبه من الضباط الأحرار المصريين بقيادة عبد الناصر الزمن الإيجابي فاستلمت السلطة وحاصرت اسرائيل جنوباً وأوقفت توسعها من عام 1952 وحتى عام 1967 وأمم قناة السويس ووحد مصر وسوريا وقام البعثيون في سوريا والعراق واستغلوا الزمن الإيجابي وغيّروا الوضع في القطرين وأوقفوا توسع اسرائيل نحو الشمال وقامت الجمهورية العربية المتحدة ووجه الرئيس كيندى رسائل عدة للرئيس جمال عبد الناصر تضمنت أفكار إيجابية لحل المشكلة الفلسطينية وبادر الرئيس عبد الناصر الى تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة الاستاذ الشقيري ليكون الطرف الفلسطيني مشاركاً عند التحدث مع الولايات المتحدة الأمريكية، وعاقبت مصر فرنسا لمدها اسرائيل بمفاعل نووي ودعمت الجزائر علناً وتحررت الجزائر.
إسرائيل وجدت ان الزمن يعمل لصالحها سلباً فبادرت الحركة الصهيونية العالمية الى قتل كيندي وإنهاء الوحدة المصرية السورية وأخذت تستعد لخوض حرب التوسع والاستيطان الجديدة وعنوانها مياه نهر الأردن.
لقد كان التوقيت مناسباً لجميع دول المنطقة للتحرر والتقدم فلماذا يكون سلبياً بالنسبة للفلسطينيين؟. إنه سلبي بالنسبة لأولئك الذين لم يدركوا الخصوصية القطرية الفلسطينية والذين سمحوا للنظم باسم القومية مصادرة القرار الفلسطيني فأصبحت معاركهم خلف من سيقفوا وليس من سيقف وراءهم فرفضوا بقوة شعار حركة سياسية غير خاضعة وغير تابعة الا لقرار الشعب الفلسطيني.
وعلى ضوء ما ذكر فإنه لمن المفيد ان نستذكر بعض ما كتب ضد حركة فتح من انها لم تصدر دراسة واحدة تحلل فيها أسباب هزيمة حزيران 1967، فمع ان هذا صحيح إلا إن كتابه نسوا ان ممارسة الرفض المسلح التي بدأت عام 1965 كانت انطلاقاً من إيمان راسخ بان الإستراتيجية الخاطئة ستقود الى نتائج خاطئة، ومن هنا فأن فتح لم تصب بالذهول والإرباك لزلزال هزيمة حزيران الذي كانت تتوقعه منذ عام 1963. بل كانت الثورة الفلسطينية هي الرد السريع على الهزيمة ورفعت شعار: لتكن هزيمة حزيران بداية النصر العظيم، وقد حدث كل هذا لأن رؤيتها لم تكن منطلقة أصلاً من إستراتيجية الأنظمة بل من رؤيتها لقضية التحرير.
لقد كانت هزيمة عبد الناصر عام 1967 هزيمة لكل الكبرياء والكرامة العربيتين، وما ان وقع العملاق على الأرض حاملاً على ظهره المستقبل العربي حتى اقبلت الثورة الفلسطينية عليه، رافضة إقامة وليمة نهش له، ومدركة أهمية ان تتبنى مصر الثورة خط الثورة الفلسطينية فتعطيها بذلك عمقها العروبي الأصيل بعدما كانت سوريا العريقة بوطنيتها قد سبقتها الى ذلك.
6-القطري يمارس في إطار القومي:
عندما جرى أول لقاء بين عبد الناصر وعرفات في شهر تموز 1967 استقبله عبد الناصر وهو يقول: أهلاً ياسر أهلاً ياسر لقد فهمتكم لقد فهمتكم، ألا تستطيعون إشعال حرائق في الداخل الى ان نعيد ترتيب وضع القوات على قناة السويس وفي الجولان. فرد عليه قائد قوات العاصفة الفتحوية: انني سأدخل شخصياً الى الداخل وسأشعل ثورة لا حرائق ولكني أريد منكم الاعتراف بحركة (فتح) ومدنا بالسلاح وتدريب مقاتلينا، ووضعت في ذلك اللقاء خطة تحملت فيها الثورة الفلسطينية عبر غور الأردن مسؤولية التصدي المنفرد للعدو الصهيوني، بقصد إبقائه مستنفراً وسلبه بالتدريج بريق النصر المعنوي الذي حققه. ويومها فقط انتهت الاتهامات حيث ثبت ان فكر حركة (فتح) لم يوضع وضعاً ولا اخترع اختراعاً، وانما كان نتيجة رؤيا ومفهوم محدد بطبيعة العدو وخصائص المواجهة من داخل الوعي التاريخي للمنطقة لا من خارجها.
والغريب انه في الوقت الذي مدت فيه (فتح) جسورها مع من حاربوها بضراوة على مدى عامين وعلى رأسهم الرئيس عبد الناصر انقلب اليساريون من بعثيين فلسطينيين وقوميين عرب على عبد الناصر ليقفوا خلف العراق وليشكلوا جبهة جديدة هي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من قادتها الدكتور حبش د. وديع حداد والضابط في الجيش السوري أحمد جبريل وصف كبير من كوادر الجبهة الشعبية وبدأوا من مواقع قومية حملات من النقد لحركة (فتح) لا تقوم على التشكيك بوطنيتها كالسابق وانما بمحاكمتها بالقوانين المتعارف عليها لدى حركات التحرير الأخرى كالجزائر وفيتنام والصين، رافضين الثورة من الخارج ومصرين على الثورة من الداخل ولذلك لم يشاركوا في معركة الكرامة لأن قوانين حرب العصابات التقليدية تقول إن تقدم العدو نتراجع. وما كان ذلك الا تعبيراً عن افتقادهم لرؤيا خاصة بهم رؤيا ثورية قادرة على تغيير الواقع، الأمر الذي يتطلب وقتها إدراك خصوصيات حركة التحرير الوطني الفلسطينية.
وفي الوقت الذي كانت فيه مصر تستعد للبدء بحرب الاستنزاف عام 1969 كانت الثورة الفلسطينية قد استرجعت اذان العالم وعيونهم وبدأ العالم يتكلم عن المقاتل الفلسطيني بدلاً من الحديث الممقوت عن المسكين اللاجئ الفلسطيني.

-العقيدة العملياتية لحرب الشعب الفلسطينية:
الفكر ليس فيضاً من الآراء وانما هو المنظومة النطرية التي تطبق مبادئ عامة (لفلسفة ما) من أجل معرفة موضوع معين. فكر (فتح) هو المنظمومة التي تطبق المبادئ العامة لحرب الشعب الطويلة الأمد من أجل معالجة الكيفية لخوضها على أرض فلسطين عبر اكتشاف سمات الصراع وتحديد قوانينه فهنالك ثلاثة حقائق استنبطها وارتكز عليها الفتحويون الأوائل لتحديد الخصائص التي تفردت بها الثورة الفلسطينية ولم تواجهها أية ثورة في القرن العشرين ويمكن تلخيص هذه السمات بما يلي:
1-ان تواجه الصهيونية في فلسطين فأنت تواجه
1-استعمار استيطاني
2-استعمار اقتلاعي للشعب من أرضه وطرده الى الخارج في الشتات.
3-يقيم دولة عنصرية يهودية الطابع.
4-ذو قوة عسكرية ضاربة وأجهزة قمع عنصرية بالقانون.
5-دولة تعترف بشرعيتها ووجودها الأمم المتحدة.
6-يعترف بشرعيتها الاتحاد السوفياتي والبلدان الإشتراكية حلفاء الدول العربية واصدقاء الفلسطينيين لاحقاً.
7-حليفة ووكيل للولايات المتحدة بالمنطقة.
2-قبل حرب 1967 تم التفاهم مع سوريا والجزائر على دعم توليد حرب تحرير شعبية تنطلق من سوريا ومدعومة من البلدين.
3-الهزيمة المنكرة للدول العربية عام 1967 ترتب عليها تأثيرات سلبية كبيرة على مجمل حركة التحرير الوطني العربية والتي كما رأينا تطلعت عبر الرئيس جمال عبد الناصر الى حركة (فتح) لتقوم بالاشتباك مع الإسرائيليين الى حين حدوث الهجوم العسكري العربي المصري السوري، ولقد وجدت (فتح) في ذلك فرصة كبيرة لتكتسب شرعية الفعل الثوري بإبعادها الواسعة، وتحول القضية الفلسطينية من مجرد قضية الى ثورة شعبية حيث كنا نطمح ان النظم ستتراجع لتسمح لشعوبها بالدخول فأشهرنا شعار عدم التدخل في الشؤون الداخلية العربية لنعطي الأمان للدول العربية بينما نعمل بجد على إقامة القواعد الإرتكازية الحدودية على طول الحدود الإسرائيلية حيث يتم التحرك من الخارج نحو الداخل ففي الوقت الذي نثوّر فيه اللاجئين المسحوقين المنتشرين في الشتات العربي نبدأ باستنهاض القوى الثورية على أرض فلسطين المجيدة حيث أخذ الشعب يتعرض لأقسى حملة اضطهاد لم يعرف العالم مثيلاً لها بفاشيتها.
8-شعار عدم التدخل في الشؤون العربية الداخلية:
طرحُنا لشعار عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية لم يكن عفةً ولا ذريعة للابتعاد عن حركة الجماهير العربية مكتفين بعلاقات فوقيه مع النظم التي تتناقض مصالحها ونمو حركة التحرر الفلسطينية فوق أراضيها وانما لاقتناعنا ان من يتصدى للصهيونية سياسة وحرباً يقود النظم إذا ما كان رصاصها ومدافعها ودباباتها جامدة لا حراك فيها. وليس من قبيل الصدفة ان حركة (فتح) أصرت منذ نشأتها على ان تكون بنيتها الفكرية قائمة على جبهة إيديولوجية نلتقي على خط سياسي واحد، حيث نصت المادة (13) من مبادئها على ان (تحرير فلسطين واجب قومي وديني وإنساني) وان المحرك للتاريخ والصراع في المنطقة هو التناقض الأساسي الكامن في الصراع الإسرائيلي العربي، مؤكدين عبر ذلك على الطابع العربي الإسلامي التقدمي للصراع معتقدين ان تفجير المجابهة المسلحة سيقود الى قيام جبهة شعبية عريضة على طول الوطن العربي وعرضه مساندة للثورة الفلسطينية، الأمر الذي لم يحدث لماذا؟
هزيمة حزيران شكلت صدمة لجميع القوى الحزبيّة في المنطقة والتي راهنت على الناصرية ذات الأفكار الوطنية العربية الملتفة حول قائد فذ هو الرئيس جمال عبد الناصر. لقد أخذت قوى حركة التحرر العربي على حين غرّه عندما فشلت في انتزاع مكاسب قطرية كثمن من القوى التي قادت سياساتها إلى هزيمة كانت أقسى من هزيمة 1948. والغريب انها لم تتصد للاعتداء الداخلي الذي رافق تلك الهزيمة ففقدت به الثورة الاجتماعية القومية اندفاعها لعجزها عن بلورة نظام ديمقراطي يقوم على التعددية، وتم باسم نظرية الحزب الواحد وسلطة الجيش قيام نظم قطرية إقليمية تسلمت بها السلطة أقلية ما مارست هيمنة على الشعب ملغية حياته السياسية في ظل ممارسات قطرية إقليمية تلبس العباءة العربية ولكنها تخفي في طياتها ممارسات قطرية ساخرة وعندما يكون لدولة ما سياسة عربية فهي غالباً ما تكون امتداداً لنظرة قطرية وتهدف إلى توسيع رقعة نفوذها على حساب بلد مجاور، مما أدى إلى بروز سياسة التمحور على الذات والتي استبدل فيها مع الزمن التحدي الإسرائيلي كأساس ليصبح (أمن الإقليم) هو الأساس. ففي السودان حرب الجنوب وفي الخليج الحرب العراقية الإيرانية وفي شمال أفريقيا حرب الصحراء وسوريا انشغلت بلبنان والأردن تائه بين سوريا والأردن تحالفاً واشتباكاً، ومنظمة التحرير الفلسطينية ووجهت من جميع الدول باعتبارها لأي اتصالات مباشرة بالقوى الشعبية السياسية في القطر يترتب عليها إجراءات أمنية وعقوبات ضد الوجود المسلح أو الدعم المادي إلى جانب الزج بالسجن بكل من يتم الاتصال به ومن هنا تم تشكيل جبهة مساندة شعبية يتواجد فيها الأحزاب الحاكمة وكان لبنان العزيز على قلوب الفلسطينيين بشكل خاص هو الاستثناء الوحيد. ووجدنا أنفسنا نحن والقوى الوطنية اللبنانية في موقف عجيب. فبدلاً من ان تحملنا وتحمي كلينا حركة التحرر العربي حملنا نحن على أكتافنا جميع القوى الحزبية التاركة لبلادها.
مؤتمر يالطا الشهير عام 1945، كرّس النتائج السياسية للحرب العالمية الثانية حيث أزيلت دول وأقيمت أخرى. الحركة الصهيونية مثلها في هذا المؤتمر ودافع عن أفكارها ومطالبها أمريكا وبريطانيا والاتحاد السوفياتي مما قاد الى قيام دولة اسرائيل مترافقاً مع قرار دولي أجمع عليه بقناعة والتزام من جميع دول العالم ما عدا الصين ألا وهو الحفاظ على الحدود الموروثة من الاستعمار وعدم تدخل أي من الدول الكبرى خارج مناطق نفوذها التي اتفق عليها سواء في أوروبا وفي الشرق الأوسط والأقصى، ولا مجال للشعب الفلسطيني ان يعود للخارطة السياسية التي شطب منها بقرار دولي وان يحقق أهدافه بإقامة دولته إلا إذا ما أعيد تفكيك الجغرافيا السياسية للمنطقة ليعاد تركيبها بوجود الشعب الفلسطيني والذي سيعتبر شعباً فائضاً عن الحاجة ولن ينظر إليه نظرة سياسية ما لم يتمكن من فرض نفسه على العالم.
بعد مؤتمر يالطا قال جون فوستردالاس مساكين الفلسطينيين لقد ضاعوا بين أقدام الفيلة الاغلبية الساحقة منه غادرت فلسطين فستموت بالخارج. والمولودون في الخارج لن يذكروا فلسطين لأنهم لم يروها. وهذا الذي يفسر لماذا دعمت أمريكا قيام الأنروا من أجل جعل الفلسطيني يتكيف مع عملية اللجوء ليتحول مع الزمن الى مواطن في البلد التي يقيم فيها.


                                                                 
    تتبع بقية الموضوع بالنقر هنا                                                                        الأعلى

1